قراءة في كتاب حركة التغريب في السعودية"المرأة أنموذجًا"(1/2)
بعد أن قامت في بلادنا تيارات فاسدة؛ ومذاهب منحلة تقوي شوكة الباطل مُصرحين بسعيهم للقضاء على الإسلام ومظاهره، فجندوا لذلك الأتباع، وسخروا لتحقيق الأهداف التلاميذ، ومن أخطر هذه التيارات حركة التغريب في السعودية، والتي تسعى جاهدة - وبكل كياناتها وأفرداها- إلى تغريب البلاد والنساء ومظاهر الحياة، وإخراجها من عباءة الإسلام إلى عباءة الغرب بما فيه من انحلال وانحطاط.
ولا شك أن لهذه الحركة أجندة سياسية، غاية أهدافها تغريب المرأة السعودية، فهي الأم والبنت والأخت والزوجة، وفي إفسادها إفساد المجتمع، فوضعوا لذلك الأهداف، متمثلة في خلع الحجاب، والمناداة بالاختلاط بين الجنسين في المحافل العامة والخاصة، ورفع قوامة الرجل على المرأة، ثم عمل المرأة في المجالات كافة، ثم حددوا السبل، وكان من أهمها دور الإعلام بوسائله المختلفة (القنوات الفضائية، المجلات التغريبية،...) في نشر التغريب والترويج لثقافته.
هذا ما يخرج به قارئ كتاب "التغريب في السعودية، المرأة أنموذجًا" والذي صدر مؤخرًا عن المركز العربي للدراسات الإنسانية بالقاهرة، ويمثل الكتاب بحثاً مطولاً ودقيقًا، ومرجعًا أساسيًا في هذا الشأن، لاستناده على مصادر ومراجع موثقة، بل ويُشكر لمؤلفه الجهد البارز في جمع الأدلة والبراهين، والاعتماد على المنهج العلمي في الوصف والتحليل، وتظهر متابعته لتاريخ تطور الحركة ونشأتها بكثيرٍ من الإمعان والتدقيق، فرصد رموز الحركة المتشبعين بثقافتها، المنبهرين بحضارتها، بعد أن تعرض لطرق دعوتهم المختلفة لها.
مما حدا بقسم الأديان والمذاهب في كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر أن تجيز هذا البحث كرسالة علمية نال بها كاتبها درجة العالمية (الدكتوراه) بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.
ويطرح المؤلف في الكتاب - بِجُرْأةٍ في التناول- خطر التغريب، وآثاره الأخلاقية، والاجتماعية، والدينية، والثقافية على المرأة السعودية؛ ومن ثم على المجتمع ذاته، وذلك من خلال "مقدمة وتمهيد وخمسة فصول" اشتمل عليهم البحث، ثم قسمها إلى مباحث ومطالب وفروع في شكل تفصيلي رائع، لتشعب الموضوع وتفريعاته؛ فلقد اشتملت على التعليم، والإعلام، والقطاع الطبي، والسياحة، وغيرها من المجالات الأخرى.
لمحة عن واقع السعودية، وحركة التغريب فيها"
جاء الفصل الأول تحت هذا العنوان، وقد شمل مبحثين:
المبحث الأول: احتوى على ثلاثة مطالب، ناقش الأول "الواقع السياسي للمملكة العربية السعودية، ولمن الجيد أن يذكر المراحل التاريخية الثلاث التي مرت بها منذ قيامها وحتى وقتنا الحالي؛ ليكون القارئ على دراية كاملة بهذا الواقع، ويستطيع أن يقف على البداية الحقيقية لحركة التغريب.
وفي المطلب الثاني يتحدث الكتاب عن الواقع الديني للمملكة، حيث إن الدين الإسلامي –وهو الدين الرسمي لجميع سكانها- سيقف عائقًا مهمًا أمام تحقيق طموحات هذه الحركة وأهدافها، ثم يتناول في المطلب الثالث الواقع الاجتماعي للسعودية، وخاصة أنها تُعد من المجتمعات الاقتصادية الناشئة – بحسب رأي الباحث- فالطفرة الاقتصاديـة الحقيقة بدأت في السبعينيات الميلادية، ولكن على الرغم من التطور السريع في التنمية الاقتصادية في البلاد، إلا أن المجتمع لا يزال محافظًا على كثير من الثوابت الاجتماعية لما فرضته محددات معينة كمكانة البلاد الدينية، وسلامتها من الاحتلال الأجنبي، وغيرها من المحددات التي ذكرها الباحث في هذا المقام.
المبحث الثاني: ويتناول فيه الكتاب تعريف ونشأة وتطور حركة التغريب في المملكة العربية السعودية، وجدير هنا أن يستوقفنا التفصيل الكامل، والتحقيق الظاهر، والتحليل العلمي لظروف النشأة وكذا تطور الحركة، ففصل التعريف في المطلب الأول، وأشار في الثاني إلى أنه لا توجد كتب أرَّخت لبداية حركة التغريب في السعودية أو تتبعت انطلاقتها، وأنه اعتمد على مجموعة من الوقائع التاريخية التي يمكن اعتبارها بداية الحركة، وأكد في الثالث أنها مرت بعدد من المراحل والأطوار منذ نشأتها لتصل في النهاية إلى التفشي الظاهر في المجتمع، ولقد استخدم طريقة ممنهجة رصينة في رصد تطور الحركة؛ ليجعل الكتاب أحد أهم المراجع في المكتبة العربية والإسلامية.
أهداف الحركة، وأسبابها، وعوائقها
تحت هذا العنوان جاء الفصل الثاني الذي لا يختلف عن سابقه في غزارة المعلومات والبيانات والاستشهادات، كما أنه يغطي منطقة الأهداف والأسباب والعوائق بشكل مميز، ويحتوي هذا الفصل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ويتحدث فيه عن الأهداف الحقيقية لحركة تغريب المرأة، وأنهم ليسوا كما يدعون حُماة المجتمعات، أصحاب المشاريع الحضارية التي تسعى إلى خدمة الأفراد والشعوب، إذ إنهم وبالنظر في أعمالهم وأهدافهم لم يقدموا سوى إفقار الشعوب، ومصادرة الحريات، ونهب الثروات، والعبث بتراث الأمة ومقدراتها.
وبعد القراءة المتأنية لهذه الحركة تجد أيها القارئ الكريم أن أولى أهدافهم هو السعي الدءوب لخلع الحجاب عن المرأة السعودية، ولقد فصل فيه الباحث مطلباً مهماً، فحركة تغريب المرأة تتخذ من المطالبة بنزع الحجاب سبيلاً إلى العري والانحلال، ولن يكفيهم أن تكون امرأة سافرة عن وجهها فحسب، بل لابد أن تكون مبدية لجميع مفاتنها، سالكين في ذلك مسلك الحركات التغريبية التي قامت في دول العالم الإسلامي.
ثم يناقش الكتاب في مطلب آخر تركيز كُتَّاب الحركة في مقالاتهم، ورواياتهم، وإطلاق توصياتهم في المؤتمرات والندوات خارج وداخل المملكة؛ على حرية الاختلاط بين الجنسين، ساعين لتحقيق هذا الهدف على أرض الواقع، حيث إنهم يرون أن الفصل بين المرأة والرجل موقف لا إنساني على الإطلاق، ويتابع الكتاب في سرد الأهداف فيبتغون رفع قوامة الرجل عن المرأة، قاصدين إبعاد المرأة عن رعاية الزوج والأب، فتسافر وتخرج وتعمل وتفعل ما تريد من غير رقابة ولا رعاية ولا توجيه.
قد تضطر المرأة للخروج للعمل، وهذا لا يمانع فيه الإسلام ما دام في إطار مجموعة من الضوابط الشرعية، والآداب الإسلامية التي تكفل لها حفظ كرامتها؛ وصيانة عرضها، إلا أن حركة التغريب تهدف ضمن غاياتها أن تُقحم المرأة في مجالات العمل كافة فتدخل في مجال السياسة، والإدارة، والفن، والرياضة، والحرف اليدوية، والسياحة، والصناعة، وغيرها من المجالات، وإننا لنرى ذلك مفصلاً في المطلب الرابع للفصل الثاني من كتاب التغريب في السعودية "المرأة أنموذجا".
المبحث الثاني: وفيه يسرد الباحث جملة من الأسباب التي ساعدت على قيام حركة التغريب، بعد أن قسمها إلى داخلية وخارجية، فشهدت الداخلية ستة فروع لتشعبها وكثرتها؛ بدأ الأول: بالفهم المغلوط للتنمية والتحديث، ويظهر أثره من خلال طبيعة المجتمع وبداية نشأته، متمثلة في الابتعاث إلى مصر بداية ثم إلى الدول الأجنبية، والثاني اكتشاف البترول والذي لم يتم اكتشافه إلا من خلال شركات أجنبية، وصار الاستعانة بشركات أجنبية في البناء والتشييد في شتى المجالات عرفا في بقية المشروعات، وأخيراً استيراد مشاريع التنمية بكل مساوئها من الغرب.
ولم يخف على الباحث الدور الكبير للنخب المستغربة في عملية تغريب المرأة، بل أثبت أن الحركة لم تقم في الأصل إلا على أكتافها، فلقد تولت هذه النخب مسؤولية الإعلام -على وجه الخصوص- بأنواعه من صحافة وإذاعة وتلفاز ورواية ومقالة وغيرها من صور الإعلام وفنونه، يضاف إلى ذلك نفوذها المالي والاجتماعي في المجتمع السعودي، وذلك خلال فرع آخر من فروع الأسباب الداخلية.
كما أدى الانفتاح الإعلامي إلى قيام هذه الحركة بشكل رئيس؛ فمع بداية التسعينيات الميلادية بدأ الانفتاح الفضائي يزداد شيئًا فشيئًا حتى بلغت مئات القنوات التي تدخـل البيوت وتقتحم المنازل من غير إذن أهلها، في الوقت الذي أكد فيه الباحث في فرعه الثالث على أن القنوات لا تعبر عن ثقافة المجتمع المسلم ولا عن قيمه وأخلاقه؛ بل هي خنجر مسموم، وسلاح فتاك ضُربت به الأمة في دينها وقيمها وأخلاقها.
ولقد أبدع رموز التيار التغريبي وأدواته في استغلال "الحوادث الإرهابية" في تحقيق أهدافهم، وهو مما ذكره الباحث في الفرع الرابع مفصلًا، وأيضاً استغلالهم للمظالم الواقعة على المرأة، رافعين شعار الوطنية، مُظهرين التباكي على مكانة المرأة وحريتها، فهي تُمنع من ميراثها، وتُعاني من تسلط وليها، فضلًا عن معاناة المطلقات والأرامل والعنف الأسري والتحرش والابتزاز الجنسي.
ولما كان الإنصاف يقتضي الاعتراف أن هذه المظالم واقعة لا محالة على بعض النسوة، وهو ممن خالفوا شريعة الله، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وكما يظهر جليًا في الفرع الخامس هنا أن حركة التغريب جعلت من هذه المظالم ذريعة ومدخلاً للمطالبة ببرامجه ومشاريعه ليس إلا.
ويصدق الكاتب حينما يشير إلى تراجع العمل الدعوي، وضعفه في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد إغلاق مؤسسة الحرمين التي كانت تُعد من أكبر المؤسسات الدعوية في السعودية؛ بما كان لها من نشاطات قوية، وجهد واضح داخل المملكة وخارجها، ومما ساعد على انتشار الدعوة التغريبية ونجاحها لحد كبير؛ فضلاً عن اضمحلال العمل الخيري بالمملكة كما وضحه الفرع السادس من هذا المبحث؛ عد تفشي الأعمال الإرهابية، وتوجس أغلب المحسنين منه، والتقليدية في الأساليب الدعوية، وحزبية المؤسسات الدعوية، وعدم نضج بعض القيادات الدعوية...الخ.
ولم يقتصر الكاتب على الأسباب الداخلية السابقة فحسب، بل ضمن المطلب الثاني أسباب حركة التغريب الخارجية، وفسر فيها أربعة فروع كسابقيها، ارتبط الأول: بـ"هيمنة القطب الواحد" فقيام حركة التغريب مرتبط بهيمنة أمريكا وسيطرتها على المنطقة؛ نظرًا للارتباط القوي والعلاقة الوثيقة بينهما، ودلائل هذه العلاقة أكثر من أن تحصر، ثم تجئ "الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية" كفرع آخر؛ ففي البداية وقفت الحكومة السعودية موقف الرافض من المؤتمرات التي عقدتها هيئة الأمم المتحدة حول قضايا المرأة والطفل برؤية غربية حتى توقيعها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في العام 2000م مما كان له بالغ الأثر في قيام حركة التغريب.
وأكد الكاتب على استغلال "أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م" لمصالح الدولة المهيمنة، فأوردها كفرع آخر من فروع هذا المطلب، فهي سبب رئيس للدفع بحركة التغريب في السعودية، سواء ذهبنا إلى أن تلك الأحداث صنيعة أمريكية أم لا؛ فإن لها تأثيرًا عظيماً على كثير من مجتمعاتنا الإسلامية بشكل أبرزه الكتاب بصورة ملمة شافية.
ولم يتوق الأمر عند الهيمنة الأمريكية بل تعداها إلى "الضغوط الدولية" فيؤكد البحث في فرعه الأخير في هذا المطلب الشائك أن السعودية تواجه بسبب نظامها الاجتماعي المتعلق بالمرأة ضغوطًا دولية شديدة، إذ تتضمن التقارير والبيانات التي تصدرها الدول والمنظمات الدولية بحق السعودية انتقادًا دائمًا لأوضاع المرأة في المملكة.
المبحث الثالث: ويحدثنا فيه الكاتب عن "العوائق التي تقف أمام حركة التغريب"، محتوياً على ستة مطالب:
بدأت تلك المطالب بـ"مكانة البلاد الدينية"؛ حيث وجود الحرمين الشريفين في الجزيرة العربية جعل لها خصوصية ومكانة تفرضها وجود هذه الأماكن المقدسة، مما أعاق حركة التغريب عن المضي في تنفيذ أهدافها وتحقيق مطامعها.
وبما أن السعودية في الأصل قامت على حلف ديني سياسي ، مثَّل الأول: العلماء، والثاني: الأمراء، وكذا للعلماء عبر تاريخ البلاد أثر وتأثير في مسيرتها، بل في المشهد السعودي فإن النظام السياسي ـ باعتباره نظامًا دينيًا ـ يستمد شرعيته من المؤسسة الدينية، ولهذا كله فإن من أشد العقبات التي تواجه حركة التغريب في المجتمع "التحالف بين المؤسسة الدينية والقيادة السياسية".
ويكمل الكاتب بقية المعوقات لهذا التيار التغريبي فيذكر في مطلبه الثالث "رعاية الدولة ورموزها للنشاط الإسلامي" فالدولة تعمل على دعم وتمويل العمل الإسلامي في الداخل والخارج، فضلًا عن تدين المجتمع نفسه، فالمجتمع السعودي كباقي المجتمعات الإسلامية التي تشهد تدينًا وإقبالًا على الالتزام بالإسلام، ويعود هذا التدين والمحافظة في المجتـمع إلى عدد من العوامل والأسباب، يبرزها الكاتب في عدد من النقاط التي جاءت ضمن المطلب الرابع في هذا المبحث، ومما لا ريب فيه أن "قوة التيار المتدين"-الذي جاء ضمن المطلب الخامس- بتغلغله في الحياة العامة والخاصة وعلى المستوى الشعبي والحكومي يساعد في التصدي لمثل هذه الحركات.
ويناقش المطلب السادس معيار الأقلية والأكثرية، فالتيار التغريبي ورموزه يعتبروا أقلية في المجتمع السعودي، فليس لهم حضور جماهيري ولا بُعد اجتماعي، بينما يقابل ذلك أكثرية عظمى من التيـار الدينـي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق