| حوار مع الدكتور محمد أبو غدير، رئيس قسم الدراسات "الإسرائيلية" بالأزهر |
| كتب وحاوره أ. جلال الشايب/ الحملة العالمية لمقاومة العدوان 17 رجب, 1432 |
خلال السنوات الثلاثين من حكم مبارك ونظامه، دخلت إسرائيل عدة حروب نظامية بالإضافة إلى عدوانها المستمر والمفتوح على الشعب الفلسطيني. وفي المقابل لم تخض (مصر مبارك) حربًا واحدة، وألزمت نفسها بمعاهدة السلام على حساب اتفاقية الدفاع العربي المشترك، ولم تستطع أن توقف، دبلوماسيا، آلة القتل الإسرائيلية ولو مرة واحدة، إلى أن بدأ الربيع العربي يملأ سماء البلدان العربية، ومناخ الحرية وقهر الظلم والاستبداد الذي كان يعم كثيرًا من الدول العربية، على مراحل مختلفة، فكانت ثورة تونس، ثم تلتها مصر بثورتها العربية؛ وليست المصرية، ومن هنا كان التغيير في اليمن وليبيا ...
إن الثورة المصرية منحت الفرصة لصنّاع السياسة الخارجية المصرية، والتي لا بد من استغلالها في صياغة أجندة وطنية لسياسة خارجية مؤثرة، برؤية محددة تعبّر عن مطالب المصريين والعرب باسترداد كرامتهم، وإنهاء تبعيتهم للخارج، وتحقق المصالح المصرية والعربية، وتغيّر ميزان القوة المختل بين مصر وإسرائيل منذ عقود ثلاثة ماضية.
وحتى نحسن استغلال هذه الفرص؛ علينا أن نتفهم جيدًا، العقيلة الصهيونية؛ كيف تفكر؟ وما دور الرأي الإسرائيلي في اتخاذ القرارات الحكومية الإسرائيلية؟، والموقف الحقيقي لموضوع السلام الذي طال؟، وغير ذلك، وفي خلال حوارنا التالي سنحاول قراءة الأحداث؛ ووضع التصورات والمفاهيم، مع شخصية خبيرة وبحق في العقلية والشأن الصهيوني، لدرجة أنه قال لنا قبل الحوار: إنه ظل على مدار تسعة وأربعين عامًا يقرأ ويتابع ويفهم ويتعمق في العقلية والشخصية الإسرائيلية، حتى إنه فهمها أكثر من المصرية... فهيا لنرى ماذا قال لنا؟
س) قاوم: الوضع المصري السابق في عهد الرئيس المخلوع؛ أعطى لإسرائيل ما لم يعطه أحد من قبله من خدمات استراتيجية، وهو ما دفع بالإسرائيليين أن ينعتوه بالكنز الاستراتيجي لأمن إسرائيل، إلى أن جاءت الثورة المصرية وقلبت موازين القوى والفكر في المنطقة وخاصة في إسرائيل، فكيف ترى العلاقات المصرية الإسرائيلية بعد الثورة؟
ج) بدأ رد الفعل الإسرائيلي القلق والخائف منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة المصرية، ومع تصاعد نجاح الثورة يوم بيوم وانتشارها، ازداد ذلك القلق، وقد برز ذلك في التصريحات التي أدلت بها الزعامات الإسرائيلية بدءًا من رئيس الوزراء وحتى أصغر مسئول في الحكومة وفي الجيش الإسرائيلي.
وأول تصريح كان له مغزى مهم هو الذي أدلى به نتنياهو حين ذكر بكل وقاحة أن مصر تحت حكم حاكم دكتاتوري أفضل لإسرائيل من أن تكون تحت سلطة ديمقراطية، وهذا التصريح وغيره أثار غضبًا واستياء في أرجاء العالم، وهذا مسجل في كل مواقع الإنترنت، والجرائد العالمية.
حتى في داخل إسرائيل، برز من هاجم نتنياهو على مثل هذا التصريح الكاشف والفاضح للتوجهات لإسرائيل نحو مصر، ومصر في الفترات السابقة في ظل حكم الرئيس المخلوع مبارك كانت شريكًا مثاليًّا لإسرائيل، أما الآن ومنذ اللحظة الأولى لثورة مصر أدركت إسرائيل أن جميع ما بنت عليه في السابق ومنذ توقيع اتفاقية السلام مع مصر ذهب أدراج الرياح.
وليس هذا وفقط، بل في داخل إسرائيل جرى استجواب رئيس المخابرات الحربية العسكرية الإسرائيلية الجديد؛ لأنه ذكر قبل أيام من تفجر الثورة المصرية، بأن الأوضاع في مصر لا زالت مواتية لإسرائيل، وأن مصر طرف مستقر إلى حد كبير في معاملته مع إسرائيل، ولن تشهد أي تغيرات في المستقبل القريب قد يؤشر على سياسية إسرائيل أو على علاقة السلام بين الحكومتين الإسرائيلية والمصرية، وهوجم رئيس المخابرات لأنه ضلل الشعب الإسرائيلي والوزارات الإسرائيلية بمثل هذا التصريح، وكيف لمثل هذه الشخصية العسكرية البارزة، أن يفشل في توقع ما حدث في مصر، ليقوموا بالإجراءات الاستباقية التي طالما انتهجوها.
فإسرائيل دخلت منذ اللحظة الأولى من الثورة في حالة من التخبط وعدم وضوح الرؤية، ولم تخفِ هذا، حتى خلال زيارة نتنياهو الأخيرة لأمريكا أكد لأوباما أن يتم مخاطبة المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر؛ لكي يحافظ على نفس السياسة التي كان يتبعها الرئيس المخلوع مع إسرائيل؛ فلمجرد مثل هذه التصريحات وما كتب في مئات المقالات داخل بني صهيون أنفسهم يدل دلالة واضحة وصريحة على التخبط والخوف الإسرائيلي لما حدث في مصر من ثورة شعبية، لم تستطيع مبدئيا أن تستشرفها قبل اندلاعها.
س) قاوم: يرى البعض أن هذه مجرد تصريحات، ولن يكون هناك أي موقف فعلي من القيادة الإسرائيلية؟
ج) علينا ألا ننظر إلى مثل هذه التصريحات والمواقف كنظرة إعلامية فقط؛ لأنها يمكن أن تتحول إلى مواقف على الأرض من داخل إسرائيل ضد مصر، فمثلاً هناك من يربط بين بعض الأحداث غير الطبيعية التي حدثت في سيناء منذ بداية الثورة وحتى الآن بأن إسرائيل لها يد فيها؛ في محاولة للضغط على مصر لكي لا تتمادى الثورة المصرية والزعامة المصرية تجاه المواقف والقضايا الداخلية والخارجية، والتي أعلنها وزير الخارجية المصري نبيل العربي، والتي عكسها تأييد الشارع المصري الكاسح، لما ورد على لسان على لسان المشير طنطاوي ، وبما حدث فعليًّا في قرار فتح معبر رفح، أمام الفلسطينيين المسجونين في وطنهم.
س) قاوم: إذن فماذا تريد إسرائيل الآن من مصر؟
ج) إسرائيل تريد من مصر ومن غيرها حتى من أمريكا أن تتبنى سياسة إسرائيل، وأنا أقول ويقول معي الكثير من النقاد والمحللين الإسرائيليين: إن هذا وَهْم، وأن على نتنياهو وعلى حكومته أن يغيروا ما بأنفسهم، وأن يتعاملوا مع واقع الثورات العربية كاملة ليست فقط في مصر ولا تونس؛ وإنما هو ربيع عربي كامل.
الخلاصة أن إسرائيل الآن في قلق بالغ؛ لأنها سترى عالمًا عربيًّا مختلفًا عن العالم العربي التي عهدته قبل 25 يناير.
س) قاوم: كيف تقرؤون موقف بعض الأطراف الأجنبية وغيرها للثورة المصرية، وكيف نفهم مقولة البعض " إن ثورة تونس كانت تونسية، أما ثورة مصر فهي ثورة عربية؟
ج) هناك أطراف أجنبية وعربية بل ومصرية من الداخل غير مرتاحة لما فعلته ثورة مصر، وهذا أمر طبيعي ولا يجب أن يقلقنا كثيرًا؛ لأنه لا يمكن الآن وقف مسيرة الحرية والتقدم الذي سيحل بمصر والعالم العربي كله، لأن مصر كما يعترف خبراء الاستراتيجية في إسرائيل بأن لها تأثيرًا عظيمًا على العالم العربي، وكل ما يحدث فيها سواء بالسلب أو الإيجاب ينعكس على العالم العربي كله، فالمطلوب من الإدارة الإسرائيلية أن تراجع ما كتب داخل إسرائيل نفسها، في تقييم نتائج الثورة المصرية على المنطقة بحيث سيظهر واقع جديد يجب على إسرائيل أن تبدأ من الآن لتهيئة نفسها لمثل هذا الواقع، وتفعل ما فعله الغرب والولايات المتحدة أيضًا، من تأييد الثورات العربية؛ بعد مواقفها الأول الرافض والمعارض لها في بدايتها؛ إلا أنها سرعان ما تراجعت وغيّرت الآراء والاتجاهات بحسب مصالحتها العامة.
س) قاوم: هلهذا فقط هو ما يخوف إسرائيل من الثورات العربية؟
ج) هناك سبب آخر بعث على التخوف الإسرائيلي، أن إسرائيل في البداية وقعت على اتفاقية السلام مع مصر برؤية تختلف تمامًا عن رؤية السادات للسلام، ثم كان خطأ الإعلام المصري في عدم توضيح نقاط الخلاف والتناقض بين سياسيات إسرائيل والخطاب السياسي الإسرائيلي وبين السياسات التي يجب أن تتبعها مصر منذ توقيع هذه الاتفاقية.
يجب أن تعلم أن كثيرًا من المصريين والعرب لم يقرءوا تفاصيلها؛ لأن هناك نوع من التكتيم الإعلامي المشترك، وإسرائيل نفسها أخفت الملاحق الخاصة بهذه الاتفاقية؛ ولو بحث أحد عن النص الأصلي للاتفاقية لوجد بنود عامة، اختتمت بمقولة "التفاصيل في الملحق"، ثم يبحث عن هذا الملحق فلم يجده.
فالنص العبري والإنجليزي والعربي للاتفاقية لم يشر إلى كثير من التفاصيل المهمة؛ والتي من بينها على سبيل المثال "حق مصر في مراجعة اتفاقية السلام بعد مرور 16 سنة منذ التوقيع عليها"، فعلى مصر الآن أن تطالب المجتمعات الدولية، والمنظمات العالمية بتفعيل هذه البنود، وكذا أن كل الملاحق الخاصة بهذه المعاهدة؛ فمن حقنا الآن ليس فقط أن نعيد النظر في تصدير الغاز لإسرائيل؛ بل أيضًا أن نعيد النظر في اتفاقية السلام، ولا أقول: أن نطالب بإلغائها؛ لأننا في وقت حرج من تاريخ أمتنا، وعلينا أن نحترم معاهدتنا الخارجية مع كل الأطراف، حتى لا نقلب العالم علينا، وخاصة أن إسرائيل وعلى الرغم من الاختلافات الحادثة الآن من العالم حولها، والانتقادات الدولية؛ إلا أنها تبقى بمثابة الطفل المدلل.
س) قاوم: بما أنكم تقولون: إن يد إسرائيل تعيث في مصر والعالم العربي إفسادًا، وأن لها أيدي في ما يحدث من زعزعة الأمن والاستقرار المصري؛ فهل هذا يفيد بأنها من الممكن أن تغير خريطة المنطقة بعد الثورة المصرية والعربية؟.
ج) يجب أن تعلم أن ما حدث منذ 25 يناير غيّر خريطة المنطقة، ولن تستطيع إسرائيل ولا غير إسرائيل أن يقفوا في وجه الزحف الثوري والديمقراطي من جانب الشعوب، وعلى الجميع أن يتيقن أن إسرائيل هذه لا تستطيع أن تحارب الشعوب أبدًا، هم مستعدون لملاقاة جيوش نظامية، يكون التفوق فيها للأقوى، دبابات مقابل دبابات، طائرات مقابل طائرات ، والغلبة فيها لهم وقتها.
س) قاوم: كيف تنظرون إلى موقف الإعلام المصري من إظهار الصورة الحقيقية لإسرائيل؟
ج) المشكلة في سياستنا الإعلامية نحن؛ وإذا شئت أن تتأكد فعليك أن تتصفح الجرائد الإسرائيلية اليومية بنظرة فاحصة؛ ستجد أن التحذيرات الإعلامية للحكومة الإسرائيلية أكثر بكثير وأجرأ وأقوى من تلك التي تراها في إعلامنا العربي؛ المشكلة في إعلامنا.
س) قاوم: ما أفضل سبل التعامل -من وجهة نظركم- مع الملفات الإسرائيلية في الفترة القادمة؟
ج) إسرائيل تحتاج إلى من يتعامل معها بنفس تفكيرها، واستخدام نفس حيالها السياسية التي تلعب بها وعليها في اتخاذ قراراتها الداخلية والخارجية، ويجب أن تعرف أنه وعلى الرغم من الأخطاء العظيمة التي وقع فيها شخص كالسادات بخصوص الاتفاقية التي وقعها مع الإسرائيليين؛ إلا أنه كان يفهم عقليتهم جيدًا وكان يتعامل معهم من منطلق فكرهم، ولو كان السادات موجودًا إلى اليوم لغيّر وعدّل أو ألغى هذه الاتفاقية.
ويكفيك أن تفهم مدى انصياع الإدارة السابقة (نظام مبارك) في تعاملها مع هذا الملف، أن تتذكر الموقف المصري من مولد أبو حصيرة في البحيرة (محافظة مصرية) بعد صدور قرار بعدم الاحتفال بالموالد كلها في مصر، واختصت محكمة مصرية بإفراد هذا المولد بقرار آخر يفيد منع إقامته، أصدر مبارك نفسه أمرًا لوزير الداخلية بالسماح لليهود بإقامة المولد في أبي حصيرة، وذلك بعد جلسة واحدة مع نتنياهو، ولما سأل نتنياهو أجاب: في مصر.. القرارات يتخذها حسني مبارك، أما في إسرائيل فلا أستطيع أن أفعل ما يفعله مبارك.
س) قاوم: تزعم إسرائيل أنها تريد سلامًا عامًّا في الشرق الأوسط، فهل سيتحقق هذا السلام يومًا؟
ج) إذا تكلمنا عن مدى جدية إسرائيل في سلامها المزعوم؛ فليعلم الجميع أن إسرائيل تعتبر أن أي سلام خطرًا استراتيجيا عليها وعلى شعبها؛ لأنه سيغير من طبيعة الشخصية الإسرائيلية التي اعتمدت على مر تاريخها على فكرة الصراع، في الوقت الذي كان الصراع هو وسيلة الحفاظ الوحيدة على اليهود وعدم اختفاءهم حول العالم، فحينما يحدث السلام تركن الشخصية الصهيونية إلى الركود في الفكر والشعور بالاضطهاد وهنا يكمن الخطر عليهم –في فكرهم-، ولذا فإنه يتبين جليًّا أن الإسرائيليين لا ينشطون إلا في أوقات الأزمات والصراعات، وهذا هو الذي لم يفهمه العرب منذ البداية، وظنوا أنهم قد يحدثوا تغييرا في العقلية الصهيونية وهو لم ولن يحدث.
س) قاوم:ينادي الجميع (خارجيًّا وداخليًّا) بتحقيق الديمقراطية في مصر والعالم العربي، فكيف تحللون مثل هذه النداءات؟
ج) يجب أن تتيقن أنه لا أمريكا ولا إسرائيل ولا أحد في العالم يريد لنا الأفضل أبدًا، ومبدأ الديمقراطية هذا لم ولن يعملوا على تحقيقه في الوطن العربي، وكيف ذلك؟ وهم أصلاً المستفيدون الوحيدون من تشرذم العرب، والشعوب العربية، بل ويعملوا على إحداث الفتن والأزمات الداخلية لعدم الاستقرار، ولعدم إتاحة الفرصة لنا لنبتكر ونحاول أن نلحق بركب التقدم، ولا ننسى مبدئهم الشهير (فرق تسد).
وأذكر بالتصريحات التي ذكرتها في بداية الحوار الواردة على لسان نتنياهو، واتفق معه أوباما وكل دول العالم، وهي: أن الحكم الاستبدادي للعالم العربي، أفضل لهم بكل تأكيد من أي حكم شعبي، فما بالك لو قلنا حكم الله وحكم الإسلام وحكم الشريعة.
هم يريدون أن نبقى كما كنا تحت سيطرة الحلم الأمريكي الإسرائيلي، فهل سنظل هكذا في الفترات القادمة؟، لا أعتقد لأن الثورات جاءت بعد أن ضاعت الكرامة.
س) قاوم: ما المطلوب في الفترة الحالية من الحكومة المصرية تجاه هذه القضية؟
ج) ليس من الحكومة المصرية؛ بل من العرب جميعًا، المطلوب الآن وبحاجة ملحة جدًّا، هو أن يتوحد العالم العربي كيدٍ واحدة، شعوبًا وحكومات، ويقفوا في وجه ذاك المارد الجبار (الصهيوأمريكي) لعدم تطبيق مشروعهم (الشرق الأوسط الجديد)، فهذا ليس وقت قلق بعض الدول العربية من الدور المصري، بل أقول: إنه جاء الوقت ليقف الجميع وراء مصر فهي كفة الميزان التي ترجح إما قوة المنطقة أو ضعفها.
س) قاوم: هل تتوقع أي ردود إسرائيلية؟، وما شكل تلك الردود؟
ج) أتوقع حدوث بعض علامات عدم الاستقرار وبيد صهيونية، وبفعل فاعل، ليس في سيناء فقط، ولا في الصحراء الغربية المصرية فقط، ولا بالفتنة الطائفية فقط، ولا في السودان فحسب، بل في بعض الدول العربية الأخرى والتي يظهر عدم وجود يد لإسرائيل فيها، أما في الحقيقة والباطن يلعب الموساد بأذرع أخطبوطية مع معظم دول العالم العربي، وما نشاهده مع محاكمات لشبكات جاسوسية، وذلك ابتغاء توجه الرأي العام العربي تجاه تلك القضايا المثارة الداخلية، بعيدة عن التوجه لبناء أنفسها وتقدمها لتواكب التقدم الحضاري العالمي، لتبقى تلك الدول تابعة للدول الكبرى، فتلتزم بالاتفاقات الدولية دونما أي رأي ولا شخصية.
س) قاوم: وهل يحمل هذا الكلام نوعًا من المبالغة في تصور قوة إسرائيل، ومدى تغلغلها داخل المجتمع المصري؟
ج) بل على العكس تمامًا، إسرائيل الآن باتت تعرف قدر نفسها الحقيقي؛ فهي مهما امتلكت من أسلحة ذرية، وكيماوية، وبيولوجية، وطائرات، ودبابات، وجيوش كاملة، وعتاد وعدة، فهي لا تستطيع أن تقف ضد الثورات ولا الشعوب العربية، وحتى لن تستطيع أن توجه ولا توقف مد هذا التيار الجديد، بل إني أذهب لأبعد من ذلك وأقول: إنها لا تستطيع أن تقف في وجه مئات من الأفراد، -هي تهزم جيوش نظامية كاملة؛ لأن الميزان وقتها يرتبط بالقوة التسليحية، أما غير ذلك فلا-.
س) قاوم: كيف ترى خطوة قرار فتح معبر رفح من جانب القرار السياسي المصري؟
ج) منذ الوهلة الأولى للثورة المصرية، وإسرائيل ذهبت مسرعة إلى أمريكا لضمان عدم تغيير السياسة المصرية تجاهها بعد سقوط مبارك، ومن وقت أن اتخذت الحكومة المصرية قرار فتح المعبر في رفح، وإسرائيل تشن الهجمات غير المباشرة على مصر، وضربت غرة ثلاثة أيام متوالية على لسبب يذكر، وبعض المحللين ربط هذا بالقرارات المصرية الأخيرة بإعادة وضع ضوابط وإغلاق المعبر أكثر من يوم للصيانة، وعدم سماح حماس لفتح المعبر إلا بعد توضيح الرؤية المصرية تماما، وهو ما حدث بعد ذلك، وضحت الرؤية المصرية، وفتحت حماس المعبر من جانبها، وهو ما دل على سيادة مصر تجاه ما يتعلق بها، كما أنه مؤشر جيد للعلاقات الخارجية المصرية بعد الثورة.
س) قاوم: قرأنا عن المشروع الأمريكي الصهيوني المسمى بالشرق الأوسط الجديد، فبعد الثورات هل تبعد فكرة تنفيذ المشروع؟
ج) أنا اعتقد أن إسرائيل تجهز الآن لحرب واسعة في الشرق الأوسط، وذلك خلال عام أو اثنين من الآن، وذلك لإحباط عملية انتعاش العالم العربي والعودة إلى الأجندة الإسرائيلية الأمريكية المسماة بالشرق الأوسط الجديد، الذي يقوم على إعادة تغيير خريطة المنطقة العربية، ولقد وافقت السلطة الفلسطينية قبل ذلك على طلب إسرائيل بتبادل مناطق بمناطق أخرى، ومصر طولبت بذلك إلا أنها رفضت رفض قطعي
س) قاوم: نعودثانية إلى دور الإعلام في هذا الجانب، وما النصيحة التي توجهونها للإعلام العربي في الفترة القادمة؟
ج) الإعلام في العالم أجمع وظيفته الأساسية البحث عما خفي، وفي هذا الموضوع يجب أن يغير إعلامنا من سياساته، ويحاول أن يقف بالمرصاد أمام هذه الخريطة الشرق أوسطية (الصهيوأمريكي)، واعلم أن الموضوع جد خطير، وأكبر دليل على خطره؛ أن هناك رسمًا موضوعًا في ردهة الكنيست الإسرائيلي لتذكير الإدارة الإسرائيلية دائمًا به. والعمل المستمر على تحقيق هذه الخريطة، هذا الرسم ما هو إلا خريطة الشرق الأوسط الجديد الذي نتحدث عنه الآن.
س) قاوم: هل لنا أن نسأل عن أكثر ما يقلقكم في هذا الشأن كخبير في العقلية الصهيونية؟
ج) صدقني لا يقلقني على الإطلاق ما تدبره إسرائيل لنا، فالحمد لله أثبتت الشعوب العربية، أنها قادرة على التصدي، أما ما يقلقني فعلاً أكثر هي الخلافات العربية – العربية، والمتابع لما يكتب في الدول العربية؛ يجد أنه لا يصب في مصلحة العالم العربي، فهناك الأجندات الخارجية والداخلية، الغربية والإسرائيلية وغيرهما، والتي تلعب في أرض الوطن العربي بكل قوتها وإمكانياتها.
س) قاوم: هل من كلمة أخيرة لقارئ موقع اللجنة العالمية لمقاومة العدوان؟
ج) ليست كلمة واحدة؛ وإنما كلمات:
- على كل عربي أن يعلم جيدًا أن كل الحكومات الإسرائيلية عندما تُشكل أول قرار تتخذه هو إعداد الجيش للحرب القادمة، وأنا أتحدى أن يرجع أحد إلى أول خطاب لأي رئيس وزراء إسرائيلي، لا يتكلم فيه عن إعداد الجيش وتجهيزه إعدادًا جيدًا للاستعداد لحربٍ قادمة، أما نحن في العالم العربي فنفكر كيف نصنع السلام، وكيف نضيع الوقت في دهاليز السياسية التي ملكت إسرائيل بمساعدة الدول الكبرى مفاتيح اللعب فيها.
- لماذا التأخير والبطء في الاتصالات الفلسطينية - الفلسطينية، بالتوقيع الكامل، والتنفيذ الفوري، وإقامة حكومة وحدة وطنية، ولا أنكر أن لإسرائيل وأمريكا دور في هذا البطء، وعلى الفلسطينيين جميعًا أن يراعوا الله ويتقوه؛ وأن يضغطوا على فتح وحماس لإتمام وتفعيل هذه المصالحة.
- بعد رحلة حياتي العملية؛ والتي تعمقت في قلب العقلية الإسرائيلية؛ لدرجة أن معرفتي بها الآن أصبحت أكثر من معرفتي بغيرها؛ أقول لك: لن تقوم دولة فلسطينية، ولن تقف إسرائيل وتنظر إلينا باحترام؛ إلا إذا اتحد العالم العربي، ووقف مع مصر، ولا يتركها بمفردها تتحمل الصراع العربي الإسرائيلي.
- على جميع وسائل الإعلام العربية الاهتمام بالترجمات العبرية إلى العربية، وقراءة الصحافة والإعلام الإسرائيلي يوميًّا؛ وذلك حتى يساهم الإعلام العربي بكل أشكاله في التعريف بإسرائيل على حقيقتها؛ وخاصة أن هناك إسرائيل الأخرى؛ والتي لا يتحدث عنها حتى الإعلام العربي فضلا عن الأجنبي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق