12‏/12‏/2011

الغرب والقفز على الثورات لتقسيم العرب ونهب الثروات


الغرب والقفز على الثورات لتقسيم العرب ونهب الثروات
خاص بالمركز العربي للدراسات والأبحاث

"إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات"، بهذه الكلمات تحدث المستشرق "برنارد لويس" -البريطاني الأصل، اليهودي الديانة، الصهيوني الانتماء، الأمريكي الجنسية- لإحدى الوكالات الأمريكية الشهيرة؛ حول نظريته عن ماهية العرب والمسلمين في العقل الغربي، ذاكرًا أن الحل الأمثل للتعامل مع مثل هؤلاء، أن يتم إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية.

ــــــــــــــــــــ
ويُعد برنارد لويس هو صاحب أخطر مشروع في هذا القرن لتفتيت العالم العربي والإسلامي من باكستان إلى المغرب، والذي نشرته مجلة وزارة الدفاع الأمريكية، مشيرًا على أميركا في حال قيامها بهذا الدور؛ أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة؛ لتجنُّب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان، وإنه لمن الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم، ويجب أن يكون شعارنا في ذلك، إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا.

وفي أعقاب الثورات العربية العارمة التي اجتاحت أنظمة عربية استبدت بالحكم عقودًا من الزمان، ثم التعاطي السيئ والمتشابه لهذه الأنظمة المستبدة حيال تلك الثورات المباركة؛ سنحت الفرصة للغرب أن يُكمل بطريقة شرعية دولية؛ مشروع برنارد لويس في تقسيم العرب، وذلك طبعًا بعد قُسمت العراق على يد الأمريكان قسرًا وقهرًا، بتلك الحجة التي أظهرها برنارد في حديثة؛ أنه "لا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية، وخلال هذا الاستعمار الجديد لا مانع أن تقوم أمريكا بالضغط على قيادتهم الإسلامية- دون مجاملة ولا لين ولا هوادة- ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة، ولذلك يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات العرقية، والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا لتدمر الحضارة فيها". ثم كان تقسيم السودان سياسة وحربًا، عملا بنفس الأسلوب المتبع؛ إلا أن الساحة ملئت باللاعبين، فكانت أمريكا والصين وإسرائيل وغيرهم مما لهم المصلحة.

وفي سياق القفز على الثورات العربية وبعدما كادت الثورة المصرية أن تحقق أهدافها، خرجت جريدة النيويورك تايمز لتقول: إن أمريكا كانت وراء تمويل وتدريب جماعات ومنظمات في العالم العربي منها حركة 6 أبريل، وهو ما نفته الحركة نفيًا قاطعًا . وفي هذا المشهد نرى صورة استغلالية للظهور بمظهر البطولة الفارغة بعدما كانت وعلى مر عقود ركنًا وحاميًا للطغاة المفسدين!!

ثم تأتي ليبيا لتأخذ دورها في حلقات مشروع التقسيم، فمنذ بداية الأحداث الليبية في السابع عشر من فبراير 2011م، وهي تشهد قتالاً مسلحًا بين قوات القذافي والثوار الذين يطالبون بتنحيه عن الحكم، على أن يُصدر مجلس الأمن قرارًا يوجب التصدي لقتل المدنيين، وإنما اكتفى بالشجب والنكران فقط في قراره رقم 1970! بتاريخ 26 فبراير؛ -متغاضيًا عن كل الشهداء والجرحى- لأنه كان حريصًا هذه المرة على أن يأتي طلب فرض الحظر من الدول العربية حتى أعطتهم الجامعة العربية صكًّا بفرض الحظر الجوي، وهي تعلم أن الغرب ليس أمينًا على هذا الصك، وسيستخدمه لأجل مصالحه لا لصالح الشعب الليبي ولا الثوار!.

وحتى يتسم الأمر أكثر بالشرعية الدولية، طلب الغرب أن تأتيه دعوة للتدخل من قوى المعارضة الليبية، وكل هذه التمنعات والإطالة([1]) كي لا يقال: إنه غزو أجنبي لليبيا، برغم أن هذا التدخل هو رغبة أمريكية أوروبية مُلحة وعاجلة، ولكنهن يتمنعن - عن ضرب ليبيا - وهن الراغبات!!.

ثم صدر القرار رقم 1973([2]) بالفعل من مجلس الأمن في 17 مارس 2011، وبعد مضي شهر تقريباً من بداية القتل والدمار في ليبيا، سارعت أمريكا وفرنسا وبريطانيا لتطبيق الحظر الجوي، ثم أحيل العمل برمته لقيادة حلف الناتو وشاركت معه دول عربية (قطر والإمارات)، مشاركة عسكرية وماديًا لتشارك في دفع فاتورة الحرب.

·        شواهد على مرادهم في التقسيم:

 يحوز أن نظن أن التمنع الغربي الذي رأيناه في موقف الدول الأجنبية عند طلبها؛ ثم قصف قوات القذافي ومعاقله، كان هدفه وصول ليبيا لمرحلة التقسيم بين شرق يحكمه الثوار، وغرب - بما فيه العاصمة طرابلس- تحكمه قوات القذافي بعد عجزه عن هزيمة الثورة، ومن شواهد ذلك:

-        تأخر صدور أي قرارات بشأن الأحداث الليبية، ولفترة شهر كامل، كان القذافي خلاله بجيشه ومرتزقته يدك معاقل الثوار، قاتلاً لهم ومدمرًا للبنية التحتية الليبية، وذلك على أعين الجميع، عربيًا ودوليًا، وهو ما حدا بالمحللة السياسية الدكتور نهلة الشهال أن تتساءل في مشاركة لها على قناة الجزيرة، عن السر الحقيقي وراء تأخر تلك الدول في التصدي لهذا القاتل المدمر، مشيرة إلى حالة الصمت لدى العواصم الأوروبية والأميركية غير الملائم أبدًا لدرجة العنف الفظيع التي شاهدناها هناك.
وتعتقد الدكتور نهال الشهال أن الأمر يتعدى مجرد الحفاظ على مصالح تلك الدول المتعلقة بالبترول فقط، فيصل إلى الترتيبات التي ربما تتعلق بإفريقيا، فالجميع يعلم أن إفريقيا مجال للصراع الكبير بين القوى الاستعمارية الكبرى، ومحاولات السيطرة .. إلى آخره([3]).

-        الحرب في ليبيا كان مخططًا لها سلفًا مع بداية أحداث الثورة وعلى مدار شهر كامل، فالمتابع لتسلسل الأحداث منذ اندلاع الثورة الليبية في 17 فبراير؛ يصل إلى نتيجة أن أطماع الدول الكبرى لعبت دورًا جوهريًا في تغيير مسار الثورة الليبية التي بدأت سلمية كمثلها من الثورات، وذلك تنفيذًا لرسم خريطة جديدة لشمال إفريقيا ولجنوب البحر المتوسط، ستتضح معالمها بعد سنوات قليلة([4]).
-         
-        سرعة تدخل واستجابة القوات الدولية وهرولتها لضرب ليبيا، بمجرد تصريح مجلس الأمن، بطريقة كانت لتصلح فيها النيات الحسنة، لو كانت بعد ضرب القذافي لشعبه؛ وإنما أن يأتي هذا التسارع والتسابق لضرب الجيش الليبي بعد شهر من بداية الأحداث؛ فهذا هو البرهان على أن القوات الدولية لم تتدخل حبًّا في عيون المدنين الليبيين؛ وإنما بعد أن قسموا الغنائم بينهم، وحسبت كل دولة المكاسب من جراء الحرب، ويعتقد أن أهم تلك المكاسب([5]):

§   التخلص من تلك القيادة التي كثيرًا ما أزعجت أمريكا وأوروبا وتحالفت مع قوى المعارضة للغرب والتنظيمات الإرهابية مثل الجيش الأيرلندي وغيرها.

§   ضمان ظهور حكومة جديدة للنظام في ليبيا بعيدة عن الإسلاميين المتطرفين -برأيهم- ومتوافقة مع المصالح والرؤى السياسية الغربية.

§    صاروخ "توما هوك"([6]) الذي استحدثت عليه تعديلات لزيادة سرعته ومداه بعد استخداماته في حروب يوغسلافيا السابقة والعراق وأفغانستان، واستُخدم بشكل كبير في الضربات الأولى على نظام القذافي.

§   تنشيط وتشجيع سوق السلاح في المنطقة العربية لتسويق الأسلحة القتالية التي ثبت فاعليتها في الهجوم على قوات القذافي وتنفيذ الحظر الجوي عليه([7]).

§   ظهور أمريكا وأوروبا بمظهر المدافع عن حقوق الإنسان وحماية المدنيين العزل ونصرة المظلومين والمدافع عن الحرية والديمقراطية في العالم العربي والإسلامي .

§   تحميل فاتورة المعارك على دول الخليج وحصد مكاسب الحرب باتفاقيات لضخ لبترول بالمجان لسنوات يتحملها المجلس الليبي الانتقالي مقابل إسقاط الغرب لنظام العقيد.

§   التواجد العسكري الغربي بالقرب من منطقة الثورات العربية المشتعلة تمهيدًا لضمان إحلال حكومات يرضى عنها الغرب .

§   تمويل إعادة تسليح قوات التحالف مقابل العملية العسكرية في ليبيا، وغير ذلك من المصالح الخاصة لتلك الدول الظاهرة منها والخفية.

-        ضرب الجيش الليبي، وليس فقط بطاريات صواريخه كما دعت إليه الجامعة العربية في بداية الأمر، وحتى عدم الاقتصار على حماية المدنين كما هو مشار إليه في قرار مجلس الأمن الصادر بخصوص هذا الأمر، وهو الداعي الذي جعل الجميع يخشى من أن تتحول العملية من حماية المدنيين إلى تدمير الجيش الليبي برمته، وتحطيم البنية التحتية له من مطارات وموانئ وخلافه.

-        بيان فساد الحجج التي اعتمد عليها مجلس الأمن في إصدار قراره، -والذي بموجبه دخلت القوات الدولية جو ليبيا- فهو اعتمد في إجازته لاستخدام القوة ضد قوات القذافي على حماية المدنيين، وهو ما ظهر عكسه بعد ذلك؛ ففي الحادي والثلاثين من مارس قال ممثل الفاتيكان في طرابلس الأسقف جيوفاني أنوسينزو مارتينيلي لوكالة أنباء "فيديس" الكاثوليكية: إنه سمع بشأن سقوط القتلى "عدة روايات لشهود عيان من أشخاص موثوق بهم"، كما نقلت الوكالة عن مارتينيلي قوله: إن أحد المباني في منطقة بوسليم في طرابلس انهار جراء قصف طائرات الحلف، مما أسفر عن مقتل 40 مدنيًّا.

وكذلك في يوم السبت الثاني من أبريل؛ أعلن الثوار مقتل 13 مدنيًّا في غارات شنتها طائرات تابعة للحلف على المنطقة الواقعة بين مدينتي أجدابيا وبريقة شرقي ليبيا([8]).

وبعيدًا عن كل ما يحدث في ليبيا الآن من قتل المدنيين وغير ذلك؛ فإن ما حدث ويحدث في أفغانستان والعراق وفلسطين خير شاهد على كذب وادعاء حجة حماية المدنيين.

ورغم كل ما حدث من قوات حلف الناتو واعترافها بقتل مدنيين؛ إلا أنهم رفضوا حتى الاعتذار عن قتل هؤلاء؛ فصرح القائد المساعد للعمليات العسكرية في ليبيا الأدميرال البريطاني راسل هاردينغ عن رفضه لتقديم اعتذار باسم الحلف، معتبرًا أن الحلف غير مسؤول عن الحادث، كما أضاف «لم نكن على علم بأن قوات المجلس الوطني الانتقالي يستخدمون دبابات».

·        كاتب وباحث مصري.

 "حقوق النشر محفوظة لموقع "المركز العربي للدراسات والأبحاث"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر


[1]. الأستاذ محمد جمال عرفه، مجلة البيان، العدد 285، مقال بعنوان ليبيا: الغرب .. عين على النفط، وأخرى عل الإسلاميين.
[3]. الدكتورة نهال الشهال، قناة الجزيرة، برنامج ما وراء الخبر، حلقة بعنوان الردود الدولية تجاه الثورة الليبية.
[4]الأستاذ الدكتور حسن الجوني، دكتوراه في العلاقات الدولية، دراسة بعنوان أطماع الدول الكبرى غيرت مسار الثورة الليبية.
[5]. الدكتور أحمد محمود السيد، مدير وحدة دراسات العالم الإسلامي، بالمركز العربي للدراسات الإنسانية. بحث في قرار مجلس الأمن بشأن ليبيا: قراءة في التداعيات الإستراتيجية والعقائدية.
[6]التسلح ونزع السلاح والأمن النووي، معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت الكتاب السنوي ، 2009 م ، القسم الثاني ، الإنفاق العسكري والأسلحة الجديدة والمعدلة " أمريكا وأوروبا.
[7]. المرجع السابق ، القيمة المالية لتجارة السلاح في الشرق الأوسط.
[8]وكالة الأنباء الفرنسية، خبر عن مقتل مدنين في غارات شنتها طائرات تابعة للحلف عن طريق الخطأ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق