12‏/12‏/2011

قراءة في كتاب (الحرب على باكستان)


قراءة في كتاب (الحرب على باكستان)البريد الإلكتروني
كتب أ. جلال الشايب*  
28/07/2011
AddThis
Image
"قاوم" خاص- حاول الكاتب أن يجيب على عدة تساؤلات مهمة خلال صفحات كتابه، منها: ما مقومات القوة والضعف في الدولة الباكستانية؟ وما أسباب تفاقم الوضع الداخلي الباكستاني ووصوله إلى هذه الدرجة من التوتر والصراعات؟ وهل الأمر يتعلق بطبيعة القوة المؤثرة الأكبر على الساحة الباكستانية، وهي المؤسسة العسكرية بتركيبتها الداخلية، وأهداف قادتها، وما هو مدى التزامهم الإسلامي أو حتى بمفردات الأمن القومي الباكستاني؟
 
------------------------------
 
كانت المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية في السابق قد تعرضت فيها إلى ضربات موجعة ومؤلمة وخطيرة، إلا أنها في كل مرحلة كانت تقع فيها ويظن أعداؤها أنها غير قادرة على النهوض مرة أخرى؛ فإنها تعود وتستجمع قواها من جديد بسرعة فائقة لتنهض من جديد لتبرز مرة أخرى، وتعلو هامتها، وتشرق بقيمها وعقيدتها على الأمم والشعوب المتعطشة إلى منهج خالقها عبر رسالته الأخيرة إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
 
وعلى مر هذا التاريخ الطويل كانت حواضر الإسلام هي التي تضطلع بالدور الأساسي في تغيير واقع المسلمين، وفي تحمل مسئولية حمل الراية بدءًا من مكة والمدينة، مرورًا ببغداد ودمشق والقاهرة، وظهرت بعد ذلك إستانبول، وأخيرًا في منتصف القرن العشرين ظهرت باكستان.
 
وللإجابة على سؤال لماذا تعتبر باكستان حاضرة من حواضر الإسلام الآن؟ قام مركز البحوث والدراسات بمجلة البيان بإصدار كتاب "الحرب على باكستان" لمؤلفه الأستاذ "حسن الرشيدي" مدير وحدة البحوث والدراسات بالمركز العربي للدراسات الإنسانية بالقاهرة.
 
وقد حاول المؤلف دراسة التطورات المحتملة لحالة الحرب التي تعيشها باكستان منذ عام 2001م وحتى عام 2010م، وأثرها على النظام السياسي الباكستاني، وقد اختار هذه الفترة بالذات بالرغم من أن التاريخ السياسي الباكستاني - في أمة نشأت في منتصف القرن الماضي فقط - كان تاريخًا دراميًّا شديد التطور، زاخم بالأحداث والصراعات والحروب، ولكن وتيرة الصراعات داخل وخارج باكستان في العشر سنوات الأخيرة قد تزايدت، وشهدت مستويات غير مسبوقة من الصراع.
 
وحاول الكاتب أن يجيب على عدة تساؤلات مهمة خلال صفحات كتابه، منها: ما مقومات القوة والضعف في الدولة الباكستانية؟ وما أسباب تفاقم الوضع الداخلي الباكستاني ووصوله إلى هذه الدرجة من التوتر والصراعات؟ وهل الأمر يتعلق بطبيعة القوة المؤثرة الأكبر على الساحة الباكستانية، وهي المؤسسة العسكرية بتركيبتها الداخلية، وأهداف قادتها، وما هو مدى التزامهم الإسلامي أو حتى بمفردات الأمن القومي الباكستاني؟ هل هناك صراع مكتوم بين أجهزة الجيش من مخابرات وقيادة أركان وغيرها من فرق الجيش الرئيسة؟ وهل هناك اختلاف بين هذه الأجهزة في علاقتها بالإسلاميين؟.
 
فجاء كتاب "الحرب على باكستان" في تمهيد، وثلاثة أبواب متفرعة إلى مباحث، وخاتمة.
 
أوجز الكاتب في تمهيد الكتاب بحديثه عن تاريخ وكيفية تكوين الدولة الباكستانية عبر تتبع سريع لتاريخ مسلمي الهند، وعلاقتهم بالهندوس، والاحتلال البريطاني، وأسباب اختيارهم الانفصال عن الهندوس لحظة الاستقلال، ويشار إلى أن الكاتب لم يقم بسرد مجرد قصص تاريخي، وإنما تتبع الأحداث؛ لاستخلاص السنن والقوانين التاريخية، والتي على ضوئها يمكن فهم وإدراك جزء كبير من الأحداث الحالية.
 
فأكد المؤلف على أن ما يعنينا في التاريخ هو استنباط دلائل وخصائص تاريخية لا يزال يتمتع بها الباكستانيون والهنود من مختلف الملل والأديان في شبه القارة تلك حتى يومنا هذا، ولازالت تلك الخصائص تؤثر على الأزمة التي تمر بها باكستان الآن، مُقسمًا الحديث عن كيفية تكوين الدولة الباكستانية إلى مراحل، هي:
 
أولاً: دخول الإسلام الهند.
 
ثانيًا: مرحلة الدول الإسلامية.
 
ثالثًا: مرحلة السيطرة البريطانية وانفصال باكستان.
 
رابعًا: قيام باكستان.
 
·          الباب الأول: الجيش الباكستاني:
 
وتحت عنوان "الجيش الباكستاني" جاء الباب الأول من الكتاب، ليخصصه المؤلف لتحليل الدور الذي يقوم به العسكر في السياسة الباكستانية؛ وذلك في خمسة فصول؛ كان أولها: أنماط النخب العسكرية وعلاقتها بالسياسة. وقد حصر الكاتب الخصائص العامة التي تميز الجيش عن غيره من البنى الأخرى المكونة للدولة، وهي خصائص مشتركة بين كل الجيوش، وتعتبر أحد الأسباب المفسرة لظاهرة تدخل الجيش في الحياة السياسية، وهي: «احتكار العنف الشرعي داخل المجتمع، والانضباط والطاعة التامة للأوامر، والتفوق التكنولوجي، وامتلاك المعلومات».
 
كما حدد أنماطا ثلاثة للنخب العسكرية في دول العالم المختلفة؛ وهم: النمط الغربي، ونمط المتسلط، ثم نمط المتسلط الخفي.
 
-           تاريخ النخبة العسكرية الباكستانية وخصائصها:
 
وللوقوف على أين تقع النخبة العسكرية الباكستانية من هذه الأنماط الثلاثة؟، جاء الفصل الثاني من الباب الأول للكتاب؛ حيث حمل عنوان "تاريخ النخبة العسكرية الباكستانية وخصائصها"، وفيه أرجع الكاتب الأصول التاريخية للمؤسسة العسكرية الباكستانية إلى ما قبل الاستقلال عام 1947م إلى المدرسة البريطانية؛ نظرًا لاحتلال بريطانيا الهند، وتشابه بنية وهيكلة الجيش الباكستاني بصورة كبيرة مع بنية الجيش الهندي البريطاني في نهاية القرن التاسع عشر.
 
ثم رجح المؤلف تصنيف الجيش الباكستاني على طريقين: إداري وعملياتي:
 
فمن حيث العملياتي يتكون الجيش الباكستاني من عشر فرق عسكرية، بينما يتكون الهيكل الإداري للجيش الباكستاني من جنرالين للقيادة: الأول رئيس هيئة أركان الجيش، والآخر رئيس لجنة قيادة الأركان المشتركة التي تتكون من قادة الفيالق العشرة.
 
ولم يستطرد هذا الفصل في التاريخ، بينما قام برصد تدخل الجيش الباكستاني المباشر في السياسة الداخلية والخارجية في باكستان، ومدى تأثيره في عمليات صنع القرار، فقام بعملية رصد سنوات ممارسة العسكريين للحكم المباشر في باكستان، مشيرًا إلى أنها بلغت ما يقرب من خمسة وثلاثين عامًا في دولة عمرها واحد وستين عامًا، أي أكثر من نصف عمرها تقريبا وهي محكومة بحكم عسكري مباشر. فضلا عن أن النصف الآخر من عمر تلك الدولة والذي حكمه مدنيون كان للعسكر دور قوي في السياسة من وراء الكواليس.
 
وأرجع الكاتب تأثير العسكرية القوي في الحياة السياسية الباكستانية لعدة عوامل، منها: الظلم الذي صاحب قيام دولة باكستان، والخوف من طغيان الهند، ورغبتها في استعادة باكستان، وضمها مرة أخرى إليها، ثم فساد الطبقة السياسية وانتهازيتها وضعف فكرها الاستراتيجي.
 
-           المخابرات الباكستانية:
 
ثم ناقش الفصل الثالث من هذا الباب؛ دور المخابرات الباكستانية، محددًا في بدايته دور المخابرات بصفة عامة وطبيعة عملها، وآلية عمل المخابرات والتي ذكر أنها تتضمن شقين: نظري، وعملي، ثم ذكر الوظائف الرئيسية لكل شق بصفة كلية.
 
وقد استعرض الدور الذي تلعبه المخابرات الباكستانية في الحياة السياسية الباكستانية، وخاصة أنه ألفت النظر إلى أن الدور الذي تلعبه تلك المؤسسة الاستخباراتية كأحد أهم مؤسسات الجيش الباكستاني مشكوكًا فيه باعتباره دورًا مزدوجًا حسب وصف بعض الجهات الغربية.
 
ثم تحدث المؤلف عن تكوين جهاز المخابرات الباكستاني، ذاكرا أن أهم ثلاث وكالات للمخابرات في باكستان هي: خدمة المخابرات الداخلية (ISI) والمخابرات العسكرية (MI) ومكتب المخابرات (IB). وتختص كل هيئة بمسئوليات محددة، ولكنها تلتقي جميعًا في هدف واحد هو حماية الأمن القومي الباكستاني، وفي حالة أي نشاط داخلي أو خارجي يمسّ الأمن القومي الباكستاني يحدث تشابك ملحوظ في أنشطة الهيئات الثلاث.
 
-           الخلافات داخل الجيش الباكستاني :
 
وجاء الفصل الرابع تحت عنوان "الخلافات داخل الجيش الباكستاني"، فبما أن المؤسسة العسكرية تضطلع بدور سياسي وخطير في الحياة السياسية الباكستانية، وهذا الدور يؤثر ويتأثر بتطورات إقليمية ودولية خطيرة تتداخل مع استراتيجيات إقليمية ودولية؛ فإن الخلافات واردة داخل هذه المؤسسة، ولكن الخطورة تكمن في أن تتطور هذه الخلافات إلى محاولة المخالفين الاحتكام إلى لغة القوة لتسوية هذه الخلافات، وهنا تكون الطامة الكبرى.
 
واستعرض الكاتب تاريخ أهم حلقات التمرد ومحاولات الانقلاب، والتي قام بها أفراد أو مجموعات من الجيش الباكستاني تعطي انطباعًا أن هناك داخل المؤسسة العسكرية من في استطاعته التمرد، سواء ضد سياسيين كانوا متوافقين مع قادة عسكريين أو ضد قادة عسكريين مباشرة، مُستعرضًا أسباب هذه الانقسامات، وأهما: اختلاف التوجهات والأسس الفكرية بين ضباط الجيش أنفسهم.
 
إلا أنه وعلى الرغم من ذلك في أن البعض يرى أنه إذا كان هناك تفلتًا في جهاز المخابرات(ISI)؛ فهي دائمًا تكون تحت السيطرة المباشرة لكبار القادة، وأن أي حديث عن هذه الخلافات يصبّ في مسألة تتعلق بتوزيع أدوار وتخفيف الضغوط الخارجية.
 
-           نظرة الجيش الباكستاني للولايات المتحدة:
 
ثم جاء الفصل الخامس ليحمل نظرة الجيش الباكستاني للولايات المتحدة؛ فعلى الرغم مما تناقلته الصحف الأمريكية حول أن القادة العسكريين الباكستانيين القدامى يحبونهم، لأنهم يفهمون الثقافة الأمريكية جيدًا، ويعلمون أن أمريكا ليست عدو باكستان. إلا أن مشاعر الكره والغضب والإحباط من الولايات المتحدة في سلك الضباط الباكستانيين تنامت مع الوقت؛ نتيجة للسياسات الأمريكية المتقلبة في باكستان، والتي ثبت لهؤلاء الضباط أنها تتبع المصلحة الأمريكية فقط لا غير.
 
واختتم المؤلف باب الكتاب الأول بتأكيده على أنه وبالرغم من الزلازل السياسية والعسكرية التي تحيط بباكستان، وبالرغم من تفجر الأوضاع داخلها؛ فإن العسكريين حافظوا على تماسك الدولة الباكستانية، واحتفظوا بسلاحهم النووي وقوتهم العسكرية.
 
·          الباب الثاني: الحركات الإسلامية:
 
ناقش الباب الثاني من الكتاب؛ التيارات الفكرية الإسلامية في باكستان، مُصنفا إياها في ثلاثة مباحث مختلفة، حمل كل تيار مبحثًا منفصلا، فبدأ بالمبحث الأول وهو (التيار الديوبوندي): وذكر أنه تأسس في الخامس عشر من محرم عام 1283 هجرية، متمثلة في "جامعة دار العلوم" في مدينة ديوبند، والتي جاء إنشاؤها بعد أن قضى الإنجليز على الثورة الإسلامية في الهند عام 1857م؛ فكان تأسيسها ردَّ فعلٍ قوي لوقف الزحف الغربي ومدنيته المادية على شبه القارة الهندية لإنقاذ المسلمين من مخاطر هذه الظروف.
 
ولقد كانت المدرسة الديبوندية في مجملها مدرسة بسيطة من ناحية استيعابها للفكر السياسي، وإدراكها للواقع العالمي والإقليمي المعقد؛ لذلك شاب تعاملها مع الواقع المحلي كثيرًا من التخبط والاضطراب، وبالرغم من جهودها العلمية، وإسهامها في الجهاد ودورها الريادي في الحفاظ على الهوية الإسلامية في شبه القارة الهندية، لكن عدم إدراك كثير من شيوخها لهذا الواقع المعقد، وكيفية التعامل معه بقواعد شرعية جعلهم في كثير من المواقف أشبه بحلفاء للخط الرسمي، سواء كان هندوسيًّا في الهند، أو نخبة علمانية حاكمة في باكستان.
 
-           السلفية في باكستان:
 
ثم كان المبحث الثاني الذي فَصَّل وجود "السلفية في باكستان"، معرفًا إياها أول الأمر، ثم مُحددًا لماهيتها، واضعا حدودًا منهجية لتحديد إطارها العام.
 
وأُرجع بعض الباحثين تاريخ السلفية في شبه القارة الهندية إلى العهد الإسلامي الأول؛ حيث دخل الإسلام على يد التجار والمجاهدين العرب الذين وصلوا إلى مقاطعات السند ومالابار وكجرات على سواحل البحر الهندي؛ فكانت هناك مراكز للحديث في بلاد السند وملتان وفد إليها المحدّثون من العرب والعجم.
 
وتعتبر بداية العمل المؤسسي الحقيقي للسلفية في الهند كانت في عام 1906م حين قرر علماء أهل الحديث برئاسة شيخ الإسلام أبي الوفا ثناء الله الأمرتسري تشكيل جمعية لهم تقوم على نشر الدعوة على منهج الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، ومقاومة الحركات الهدامة، ومواجهة تحديات العصر تحت اسم مؤتمر أهل الحديث لعموم الهند.
 
ثم شهد عام 1992م أول انخراط فِعلي للحركة السلفية في باكستان في العمل السياسي العام، ولكن هذا أدى إلى تشتتها إلى عدة فرق أهمها: جمعية أهل الحديث المركزية، وجمعية أهل الحديث الموحدة، وجمعية غرباء أهل الحديث، وجمعية أهل الحديث (مجموعة إلهي).
 
وفي ختام هذا المبحث أكد المؤلف على أن السلفية لم تسلم في باكستان من ظاهرة التشرذم والانقسام التي تحياها في المنطقة العربية، وبرغم استنكاف غالبية فصائلها عن العمل السياسي؛ فإنه حتى الفصيل الذي شارك في العملية السياسية لم يستطع إضافة شيء ملموس إلى العمل الإسلامي، أو يقدم رؤية مبدعة،
 
-           الجماعة الإسلامية في باكستان:
 
وللحديث عن التيار الثالث في باكستان؛ أفرد الكاتب المبحث الثالث، حيث جاء بعنوان "الجماعة الإسلامية في باكستان"، والتي ظهرت بزعامة أبو الأعلى المودودي ضرورةً لمسلمي الهند، ولا زال لهذه تأثيرها الفكري داخل باكستان، وإن كان ملحوظًا أكثر خارجها.
 
وصحيح أن الجماعة الإسلامية قد استقلت وإلى حد كبير عن تأثيرات السلطة وتوجيهاتها وتوجهاتها، خلافًا لبعض التنظيمات والتيارات الأخرى، ولكنها عجزت حتى الآن على أن تصبح رقمًا لا يمكن تجاوزه في الحياة السياسية الباكستانية.
 
-           الجماعات الجهادية:
 
ولما انتهى الكاتب من ذكر التيارات الإسلامية السالفة الذكر؛ كان لابد من ذكر الجماعات الإسلامية الجهادية في باكستان، وخاصة أن الرافد الجهادي علامة واتجاهًا للصحوة الإسلامية في العالم، وليس في باكستان فحسب.
 
ولهذا جاء الفصل الثاني من باب هذا الكتاب الثاني، متضمنًا المعنى السابق، حاملاً عنوان "الجماعات الجهادية"، ولقد خطت هذه الجماعات لنفسها دورًا مميزًا في الأحداث التي شهدتها هذه الدولة، خاصة منذ انتهاء الحرب السوفييتية في أفغانستان، وتصاعد هذا الدور بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
 
وقد ركز الكتاب في هذه المسألة على الانبثاق الجهادي المعاصر في باكستان، وقسم ذلك إلى نوعين من الجماعات الجهادية، أو التي تتبنى الخيار العسكري على خلفية إسلامية.
 
فهناك الجماعات التي لم تجعل الحكومة الباكستانية هدفًا لها؛ وهي التي لم تتخذ من إصلاح الداخل طريقًا، بل ركزت جلّ جهودها على مساندة أشقائهم في البلدان المجاورة والذين تعرضوا إلى هجمات الأعداء عليهم في أفغانستان وكشمير، وحتى الهند، وهذا النوع وجد مساندة ودعمًا من قِبَل جهاز المخابرات الباكستاني.
 
وهناك نوع آخر وضع بين أهدافه أو على قمتها تطبيق الشريعة في باكستان؛ لذلك جاء الاصطدام سريعًا بالنظام الباكستاني، ودخل معها في شبه حرب عصابات، بل أصبح مستهدفًا أمريكيًّا بعد أن رفع النظام الغطاء عنه، ويأتي على قمة هذه التجمعات ما بات يُعرف باسم طالبان باكستان.
 
وقد حدد الكاتب بنية ونشاطات وأهداف حركة طالبان الباكستانية، مستشهدًا بتصريح الملا فقير محمد الذي حصرها في ثلاثة أهداف:
 
الأول: دفع وصد اعتداءات القوات الباكستانية على المناطق القبلية وإخوانهم المسلمين.
 
الثاني: مساعدة إخوانهم المجاهدين في أفغانستان.
 
الثالث: تطبيق الشريعة في باكستان. 
 
وقد انعكس هذا التجمع على عمليات طالبان باكستان، وتساءل الكاتب عن من يقاتل حقيقة في منطقة القبائل؟، وقسمها مجيبا حسب الإقليم الذي نشأت فيه أو سيطرت عليه أو كانت أكثر عملياتها في أراضيه، إلى جنوب وزيرستان، وشمال وزيرستان، والبنجاب، وباجور، ومهمند، وكورام، وأوراكزاي، وخيبر، ودارة آدام خيل، ووادي سوات.
 
وعن الموقف الباكستاني من طالبان باكستان، يقول الكاتب: مع نشوء الحركة لم تحاول الدولة في دخول في صدام مباشر مع هذه الحركة لعدة عوامل منها: تصاعد الغضب الشعبي العارم من جراء الهجمات الأمريكية على باكستان، وتخلي الحكومة الباكستانية عن دعم طالبان الأفغانية، ومنها أيضًا أن تاريخ منطقة القبائل لا يبشر بأي حسم في التعامل معها، أما السبب الأقوى فهو اعتقاد قيادة الجيش الباكستاني أن قمع الباكستانيين المساندين لطالبان أفغانستان هو بمثابة تقديم خدمة مجانية بلا مقابل للولايات المتحدة.
 
إلا أنه وبمرور الوقت بدأت الولايات المتحدة تشعر بالعجز عن هزيمة طالبان الأفغانية؛ فزادت الإدارة الأمريكية من ضغوطها على باكستان تارة، وهو مما حدا بالجيش الباكستاني أن يقوم بقصقصة أجنحة طالبان باكستان بإتباع أسلوب التحايل والتفرقة بين اهدافه الطالبانية، فعمل على تأليب القيادات، وزرع التنافس والانشقاق مستغلاً ضعف خبراتهم القيادية واندفاعهم وحماستهم.
 
ومع كل تلك العمليات التي يقوم بها الجيش إلا أنه قد ظهر غير قادر على وقف أنشطة طالبان باكستان، فلقد أثبتت من خلال عملياتها المستمرة ضد مؤسسات الجيش أن قدراتها العسكرية والتخطيطية لا تزال تعمل بالرغم من الضربات والاعتقالات التي تعرضت لها.
 
·          الباب الثالث "الاستراتيجية الأمريكية في باكستان":
 
لما كان من الطبيعي عند الحديث عن مشاكل باكستان عدم تجاهل القوة الأبرز على الساحة العالمية، والذي يعدها كثير من المحللين القوة الأولى في ترتيب النظام الدولي لما تتمتع به من خصائص لا يتوفر في مثيلاتها من الدول الأخرى، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري أو التكنولوجي أو غيرها من مستويات القوة.
 
وهو ما وفره الكاتب في الباب الثالث من كتابه "الحرب على باكستان"، وجاء تحت عنوان "الاستراتيجية الأمريكية في باكستان"، ولقد جاء الباب في أربعة فصول، حمل الرابع منهم ثمانية مباحث.
 
وتظهر تلك الاستراتيجية جلية في مقولة الرئيس الأمريكي أوباما أثناء اجتماع في المكتب البيضاوي في 25 نوفمبر من عام 2009م قرب نهاية مراجعة الاستراتيجية الأمريكية في باكستان، حيث قال (نريد أن نوضح للشعب أن السرطان في باكستان).
 
ويذكر المؤلف الجليل أننا وبالتأمل في العلاقة الأمريكية الباكستانية؛ فسنجد أنه لم تشهد علاقة بين بلدين هذا الكمّ من الغموض والتذبذب، كما تشهده تلك العلاقة فكثير من المحللين يصفونها بالتحالف والتبعية الباكستانية لأمريكا؛ بينما يعدها آخرون نوعًا من ألعاب القط والفأر بين البلدين.
 
ولقد وضع الكاتب مبدأ عند الشروع في هذه العلاقة؛ حيث حدد أنه عند التعامل مع العلاقات بين البلدين لابد من السير في خط علمي للوصول إلى حقيقة تلك العلاقات، لذا قام في البداية بوضع مفاهيم لمعنى الاستراتيجية، ثم حصر عناصر دراسة أي استراتيجية للدول والجماعات والمنظمات في: الواقع الحالي للدولة المراد دراسة استراتيجيتها، والهدف الأعلى أو الغاية التي تريد تحقيقها، والمسارات والخيارات أمامها للوصول إلى هذا الهدف، والفكر السياسي الذي يحدّد الغايات والمسارات، والعقبات التي تعوق عمل هذه المسارات، والمحفزات والتي تشجّع سيرها في تلك المسارات، والبيئة الدولية والإقليمية والمحلية التي تنطلق فيها، وتتعامل معها هذه الاستراتيجية.
 
 وعلي ما سبق فإننا بتطبيق ودمج العناصر السابقة على استراتيجية الولايات المتحدة تجاه باكستان نستطيع أن نجمل أهم العناصر التي تلزمنا للاقتراب من هذه الاستراتيجية، وهي:
 
أولاً: خصائص الفكر السياسي الأمريكي.
 
ثانيًا: الأهداف العليا للولايات المتحدة والمسارات الاستراتيجية لتطبيقها.
 
ثالثًا: نظريات الجغرافيا الاستراتيجية؛ حيث تعطينا من منظور الولايات المتحدة تصورًا للبيئة الإقليمية والدولية.
 
رابعًا: موقع باكستان في هذه الاستراتيجيات.
 
ولقد فصل الكاتب ذلك في فصول أربعة حواها هذا الباب من الكتاب.
 
-           خصائص الفكر السياسي الأمريكي:
 
ناقش في الفصل الأول "خصائص الفكر السياسي الأمريكي"، وأكد على أنه هو أحد أقدم فروع العلوم السياسية، ويصطلح كثير من المفكرين والمتخصصين في الشأن الأمريكي على أن هناك ما يعرف بثلاثية: الثروة، والدين، والقوة. وهذه الثلاثية هي التي يجري على أساسها تفسير أي سلوك اجتماعي، وما يتفرع عنه من سلوك سياسي تسير وَفْقَه السياسة الأمريكية.
 
فغطرسة القوة الأمريكية هي الرغبة الجامحة في فرض السطوة والاستحواذ على مقدرات وقدرات وممتلكات الآخر، وإخضاعه واستعباده بأي شكل من الأشكال.
 
والدين يمثل جانبًا كبيرًا في التكوين النفسي للأمريكيين؛ فالتجارب التي مر بها المهاجرون البروتستانت من أوروبا إلى أمريكا قارنوا بينها وبين التجارب التي مر بها اليهود القدماء، عندما فروا من ظلم فرعون إلى أرض فلسطين.
 
-           الأهداف العليا للولايات المتحدة، ومسارات التطبيق:
 
وفي الفصل الثاني من هذا الباب يناقش المؤلف الأهداف العليا للولايات المتحدة، والمسارات الاستراتيجية لتطبيقها، فلقد ذكر أن الباحث عن الاستراتيجية الأمريكية في العالم لا ينبغي عليه تغافل أهداف هذه الاستراتيجية؛ لأن على ضوئها يتضح له مرتكزاتها؛ ولقد استشهد الكاتب بمؤلف جاري هارت عام 2006م (القوة الرابعة: الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين)، وكذا أقوال زلماي خليل زادة حيث أن حدد هدفًا رئيسًا للولايات المتحدة، وهي المحافظة على الزعامة العالمية، ولذلك يجب أن تتبع عدة استراتيجيات أهمها:
 
- الحفاظ على التحالفات القائمة بينها وبين الدول الديمقراطية أو ذات الاقتصاديات الغنية.
 
- منع الهيمنة المعادية على المناطق الحساسة.
 
- منع عودة الهيمنة الروسية والنزعة التوسعية الصينية مع تعزيز التعاون بين هاتين الدولتين.
 
- الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي.
 
- الحفاظ على القوة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية.
 
- التعقل في استخدام القوة.
 
- كسب التأييد المحلي للزعامة الأمريكية.
 
-           الجيوستراتيجي والتمدد الأمريكي:
 
ويتناول الفصل الثالث الجيوستراتيجي والتمدد الأمريكي، مُعرفًا فيه المصطلحات المستخدمة؛ ثم مُلفتًا الأنظار إلى محاولة الجغرافيين الأمريكان للإدلاء بدلوهم في نظريات هذا العلم السياسي بما يتفق مع الأهداف التوسعية الأمريكية، وفي نفس الوقت مراعاة ظروف جغرافية بلدهم، فخرجوا بعدة نظريات مختلفة تتفق وغاياتهم الاستعمارية.
 
-           باكستان في الاستراتيجية الأمريكية :
 
أما في الفصل الرابع، فلقد اهتم الكاتب بمكانة "باكستان في الاستراتيجية الأمريكية"، وفصل في الأمر جيدًا حيث أورده في ثمانية مباحث مختلفة؛ بدأ بمقدمة أكد فيها على هدف الاستراتيجية الأمريكي الأساسي؛ والذي يتمثل في أن بسط الهيمنة يتطلب إخضاع قلب العالم، ومن ثم تحقيق السيطرة الكونية، ولما كانت باكستان جزء من الشرق الأوسط الذي تخصه الولايات باستراتيجية تلك التي تقوم على تحقيق ثلاثيتها: (القوة، والمال، والدين) من خلال حروبها الشرق أوسطية في العراق، وأفغانستان، والحرب على الإرهاب وقواعدها المنتشرة في تلك المنطقة، وذلك يمثل بُعد القوة، ثم بتأييدها لإسرائيل، وضمان أمنها، وهذا هو البعد الديني في سياستها الشرق أوسطية، وأخيرًا حرصها في هيمنتها على منابع النفط ومسارات نقله مما يمثل بعد المال في هذه الاستراتيجية.
 
فإذا أعاقت باكستان تلك الأهداف؛ فإنها بلا شك تمثل تحديًا استراتيجيًّا للولايات المتحدة يجب عليها أن تتعامل معه، وعليه فإن باكستان عالقة بشكل عنيف وبارز مع الولايات المتحدة في حروبها، سواء التي في أفغانستان أو مع الإرهاب.
 
ويرسم لنا تاريخ العلاقات بين البلدين صورة حقيقية عن طبيعة الأهداف والاستراتيجيات الأمريكية تجاه باكستان.
 
ولقد مرت الاستراتيجيات الأمريكية تجاه باكستان بثلاث مراحل، أولها: مرحلة الحرب الباردة، والتي اعتمدت فيها الولايات المتحدة على باكستان نظرًا لقربها من الاتحاد السوفييتي الذي شكّل في هذه المرحلة العدو الأساسي للولايات المتحدة، ودعمت الحكومات المتعاقبة لهذه الدولة.
 
ثم مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وبعد انهيار حلف وارسو وسقوط حائط برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي؛ أحدث تغيرًا أساسيًّا في الرؤية الأمريكية لعلاقاتها الدولية؛ فكانت بداية التحول في زيارة الرئيس كلينتون إلى الهند؛ حيث اتسمت زيارته لها بالحرارة؛ بينما اتسمت زيارته لباكستان بالبرود. وأصبح من الواضح أن هوى الولايات المتحدة يميل نحو الهند، دون باكستان.
 
ثم تأتي مرحلة ما بعد ضربات 11 سبتمبر، وفيها برز الاحتياج الأمريكي مرة أخرى إلى باكستان بعد الضربات التي تلقتها الولايات المتحدة في عقر دارها؛ حيث إن باكستان هي الراعي الأول لطالبان الحاكمة لأفغانستان، والتي يتواجد فيها قيادات القاعدة، فكان السبيل الأنجع للقضاء عليها هو فكّ عرى التحالف بين باكستان وطالبان، ومن ثَم يسقط الملاذ الآمن لطالبان وبالتالي للقاعدة.
 
ومع تولي أوباما سدة الرئاسة في البيت الأبيض في أوائل عام 2009م يمكن ملاحظة التغيير والتركيز في الاستراتيجية الأمريكية تختلف عن إدارة بوش، وقد برز هذا التغير في ثلاثة محاور أساسية: مباحثات الحوار الاستراتيجي، مزج القضية الأفغانية بالباكستانية فيما يعرف باستراتيجية أفباك، ومشروع كيري لوجار. ولقد تناول الكاتب شرح ذلك بالتفصيل.
 
-           الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في باكستان :
 
بدأ الحديث في المبحث الأول للفصل الرابع؛ حول الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في باكستان، وخاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م وارتفاع أصوات أمريكية تطالب بضرورة معاقبة باكستان على مساندة دوائر في الجيش الباكستاني، حتى بلغت حدًّا غير مسبوق بضرورة إعلان الحرب المباشر على باكستان بعد حدوث تفجيرات تايمز سكوير في شهر مايو 2010م.
 
وقد جمع الكاتب عدة مستويات للتدخل العسكري الأمريكي في باكستان، منها: إطلاق الصواريخ من طائرات بدون طيار، والتي أصبحت استراتيجية ثابتة للولايات المتحدة، ثم المستوى المخابراتي: التي حاولت فيه القيادة العسكرية الأمريكية تعويض نقص الجنود لديها في ساحة الحرب، وكذلك لتجنب الآلة الإعلامية الملاحقة لتجاوزات جيشها في مناطق الاحتلال، وذلك بالتعاقد مع شركات استخبارية مثل بلاكووتر لتنفيذ عدد من المهام العسكري وذات الطابع الاستخباري.
 
ويعد التدخل العسكري المباشر هو المستوى الثالث للتدخل الأمريكي في باكستان، رغم أن الولايات المتحدة حريصة على عدم الولوج في هذا، ولكنها في الآونة الأخيرة اضطرت إلى تجريب الزجّ بقوات لها في الساحة الباكستانية.
 
-           الاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان، ودور باكستان فيها:
 
وفي المبحث الثاني يتناول الكاتب الاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان، ودور باكستان فيها، فأفغانستان تعتبر مأزق أوباما الأساسي في العالم، ولقد توصلت إدارة أوباما في النهاية أن الحلقة الأهم من حل معضلتها في أفغانستان هو اللعب بالورقة الباكستانية، فعملت على توحيد مسرح اللعب ليشمل كل من الدولتين.
 
هذا الارتباط بين الدولتين له بُعده الجغرافي؛ حيث إن الحدود الأفغانية الباكستانية تبلغ 1640 ميلاً، وبها 300 معبر غير رسمي.
 
لذلك ظل الجدل محتدمًا داخل إدارة بوش، ومن بعدها إدارة أوباما حول أولويات العمل من أفغانستان، أم من باكستان، هل نسميها إف باك أم باك إف؟
 
إن المشكلة الكبرى التي اكتشفها الأمريكيون متأخرين، سواء في الأيام الأخيرة لإدارة بوش أو في بدايات أوباما، إنه كان من الخطأ الذهاب إلى أفغانستان في عام 2001م، والدخول في هذا المستنقع الذي لا يبدو منه خلاص أمريكي قريب قبل حل المعضلة الباكستانية، والتي تتمثل بشكل أساسي في النظرة الاستراتيجية الباكستانية لأفغانستان، وأنها تمثل امتدادًا استراتيجيًّا لها، وهذا النظرة متعمقة بصورة أساسية لدى العسكريين الباكستانيين، وهم اللاعب الأخطر في توجهات باكستان.
 
ونظرًا للإرث الطويل من عدم الثقة المتبادل بين الأمريكيين والباكستانيين؛ فإننا لا نعتقد بذلك بل نظن أنه يأتي في إطار إثبات القوة الباكستانية، وقدرتها على إمساك الورقة الأفغانية، وأن بوسع الولايات المتحدة الانسحاب بعد أن تترك لباكستان هذه الورقة، وبذلك تضمن بقاء أفغانستان كامتداد استراتيجي لها في صراعها مع الهند.
 
-           استخدام الورقة الهندية:
 
وذكر الكاتب في المبحث الثالث من هذا الفصل استخدام الورقة الهندية بالنسبة في الاستراتيجية الأمريكية، وخاصة أن صانعي السياسة في الولايات المتحدة يدركون معضلة أن باكستان لن تتعاون في تنفيذ الأهداف الأمريكية إلا إذا أدركت الولايات المتحدة المخاوف الأمنية الباكستانية ناحية الهند، ولكن المأزق الحقيقي يكمن في أن الهند حليف أمريكي أساسي في منطقة جنوب آسيا، ولاعب قوي يقف أمام الصعود الصيني في العالم، كما أن الهند باتت قطبًا كبيرًا من أقطاب الاقتصاد العالمي، وهو ما يزيد من الإشكالية الأمريكية.
 
-           ورقة المساعدات الاقتصادية:
 
وفي المبحث الرابع يتم التأكيد على أن ورقة المساعدات الاقتصادية؛ هي أحد الأوراق الأمريكية المهمة التي تلعب بها ليس مع باكستان فحسب، ولكن مع المجتمع الدولي ككل، فالاقتصاد الأمريكي هو الأول والمهيمن في العالم.
 
ومن أجل تحقيق ذلك الهدف؛ فإنه لا بد من تحقيق الأمن من خلال هزيمة طالبان، ومن ثَم لا بد من جذب أو إغراء مناطق القبائل من خلال منحهم مشاريع سياسية أو اجتماعية من التي يحددونها مع التنمية المطلوبة من خلال تطبيق مشروعات الإغراء هذه، والتي تتضمن بنية تحتية وتنمية اقتصادية.، وذلك لقطع الطريق على تمدد نفوذ ما تطلق عليهم متشددين،
 
-           الدعم العسكري:
 
ويناقش المبحث الخامس الدعم العسكري لباكستان؛ ويتجلى ذلك في تصريح أوباما "إن المناطق القبلية مترامية الأطراف ووعرة، وكثيرًا ما تكون غير خاضعة لسلطة الدولة. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نركز على المساعدات العسكرية والعتاد والتدريب والدعم التي تحتاج إليه باكستان من أجل القضاء على الإرهاب.. لا بد لنا من أن نعزز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العسكري على طول الحدود".
 
من هذا المنطلق الذي كشف عنه الرئيس أوباما تحاول أمريكا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر استثمار مساعداتها العسكرية لباكستان كورقة ضغط لتعديل سلوك النظام الباكستاني بما يتوافق مع التطلعات الأمريكية، وخاصة ما يتعلق منها بمحاربة الإرهاب.
 
-           حرب الأفكار:
 
ويساهم المبحث السادس لهذا الفصل في مسالة حرب الأفكار، في إبراز الجانب الخطير من حرب الأفكار التي تشنها الولايات المتحدة على كل من أفغانستان وباكستان والذي يتمثل في إنشاء المدارس العلمانية، وإنتاج برامج تليفزيونية باللغة الإنجليزية موجهة لأطفال باكستان،ونشر الفساد داخل المجتمع الباكستاني عن طريق نشر الفساد الهندي؛ من خلال غزو الأفلام الهندية.
 
-           تشكل النظام السياسي الباكستاني وفق الرؤية الأمريكية:
 
ولقد بذلت أمريكا كل ما في وسعها لتشكل النظام السياسي الباكستاني وفقا لرؤيتها، وهو ما وضحه الكاتب في مبحث هذا الفصل السابع، فلقد دأبت الأدبيات السياسية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية على استخدام مصطلح تغيير النظام.
 
فبعد الحادي عشر من سبتمبر حسمت الولايات المتحدة خياراتها بالنسبة لتغيير الأنظمة وتحركت صوب هذا المنحى في منطقة الشرق الأوسط.. المنطقة التي أفرزت هؤلاء الذين وجّهوا لها ضربة عسكرية في عقر دارها؛ فكان لا بد من تغيير نمط البيئة السياسية، والتي أفرزت هؤلاء الإرهابيين.
 
-           توجيه الإنذارات وتوسيع دائرة الاهتمام:
 
وفي المبحث الثامن والأخير لهذا الفصل بَيّن الكاتب فيه أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة جعلت النظام الباكستاني تحت الضغط المعنوي الدائم؛ عن طريق إطلاق التهديدات المباشرة وغير المباشرة، وتسريب سيل من التقارير لوسائل الإعلام المختلفة، فهناك مثلاً التحذير من الاستيلاء على السلاح النووي الباكستاني عبر تسريب الأنباء في الصحف الأمريكية، وعن وجود قوات خاصة أمريكية تتدرب للسيطرة على مجمع كهوتا الذي يضم المفاعل النووي الباكستاني.
 
ولقد تنوعت أساليب هذه التهديدات، فمنها إطلاق التصريحات، وخاصة تلك التي تفيد بوجود تعاون بين المخابرات الباكستانية والجماعات الجهادية، ومنها كذلك نشر الأبحاث والتقارير الصحفية التي تهدد باكستان، ومنها أيضا: استغلال بعض الأحداث المرتبطة بباكستان لتوجيه اللوم إليها، وافتعال بعض المشكلات للضغط بها على النظام الباكستاني، وأيضا الاستعانة بكل عناصر القوة والدبلوماسية الأمريكية.
 
وفي خاتمة الباب الثاني أكد الكاتب أن هناك هدفين أساسين تريدهما الولايات المتحدة من باكستان، ويمكن تصنيفهما ضمن الأهداف الأمريكية الكبرى الآن، وهما: ضمان تعاون باكستان في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، واستمرار الدعم الباكستاني لقوات الناتو في أفغانستان.
 
·          خاتمة:
 
ولقد وقف مؤلف كتاب "الحرب على باكستان" في خاتمته على تقسيم الأطراف اللاعبة في البيئة الباكستانية، محددا إياها: بالجماعات الإسلامية، وهي الفاعل الرئيس في البيئة الداخلية، تضغط باتجاه مطالب أهمها: تطبيق الشريعة في باكستان، بل أيضًا العودة للخلافة الإسلامية، كما تطالب بمناصرة طالبان أفغانستان في حربها لاسترداد أفغانستان من احتلال الناتو، ومن ثَم توفير ملاذات آمنة لجماعات المقاومة تلك، ومن مطالبها أيضًا استرداد كشمير.
 
وفي نفس الوقت تضغط الولايات المتحدة، وهي الفاعل الرئيس في البيئة الخارجية، لتحقيق عدة مطالب منها: انسحاب آمن للقوات الأمريكية من أفغانستان، مع ضمان عدم وجود تأثير للقاعدة على النظام الذي سيتشكل في كابول، كما تريد الولايات المتحدة القضاء على الملاذات الآمنة للقاعدة ومناصريها في منطقة القبائل، كذلك ترغب أمريكا في استتباب الأمن في منطقة جنوب آسيا، وأمن حليفتها الكبرى الهند.
 
ويحاول النظام الباكستاني، مواجهة مطالب البيئة الداخلية والخارجية بعدة استراتيجيات أهمها: توجيه الحالة الإسلامية الباكستانية في اتجاه توحيد البلاد ضد الفوضى العرقية والمذهبية، كما يستخدم عددًا من الجماعات الإسلامية؛ كي يخوض بها حربًا بديلة ليحقق بها أهدافه، سواء لاسترداد كشمير أو لجعل أفغانستان ظهيرًا استراتيجيًّا للدولة الباكستانية، وفي نفس الوقت يستخدم مزيجًا من سياسات القمع والتهدئة والصفقات مع بعض هذه الجماعات، والتي تقاوم استراتيجيته تلك.
 
وإزاء المطالب الأمريكية يتبع النظام الباكستاني أسلوبًا مراوغًا؛ ولذلك يقوم بتوفير الحماية لطالبان أفغانستان، ودعم الحركات المجاهدة في كشمير، وذلك بصورة سرية، بينما في العلن يجاهر بمساندة الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، كما عمل على إجهاض الخطة الأمريكية بتغيير ركائز القوى داخل النظام.
 
·          سيناريوهات المستقبل:
 
ثم عمل الباحث على إيجاد سيناريوهات لمستقبل تلك العلاقات؛ مرجحًا أن احتمالات المستقبل، كالتالي:
 
أولا:
 
على الصعيد الأمريكي: باتت الإدارة الأمريكية على قناعة أن مفتاح حل أزمتها في أفغانستان يوجد في باكستان، ولكي تنسحب بهدوء من أفغانستان، ولا تعود هذه البلاد مرة أخرى بيئة لنمو الجماعات التي تهدد أمن أمريكا؛ يجب عليها استرضاء الجيش الباكستاني، وأن تعهد إليه بأمر هذه الأرض؛ بحيث يستطيع أن ينصب نظام موالٍ له في أفغانستان، وتتعهد باكستان هي نفسها أمام أمريكا بعدم عودة القاعدة مرة أخرى في أفغانستان.
 
وهذا السيناريو هو الخيار الوحيد للولايات المتحدة بجانب مراقبتها للدولة الباكستانية وحرصها على توغل الليبرالية الغربية في مفاصل هذه الدولة.
 
ثانيا:
 
على الصعيد الباكستاني: فقد تركت الهزيمة السوفييتية في نهاية الثمانينيات، ومن ثَم انسحابها من أفغانستان، وما لابسها من ظروف أثرًا غائرًا في داخل النظام الباكستاني لا يزال موجودًا حتى هذه اللحظة، وهو ما جعل استراتيجية الجيش تبنى على ثلاثة أسس مهمة:
 
الأول: ضرورة اتخاذ أفغانستان ظهيرًا استراتيجيًّا لباكستان في صراعها للبقاء، خاصة أمام عدوها الهندي اللدود.
 
 والثاني: إن إمكانية انسحاب قوة كبرى من أرض استولت عليه يمكن تحقيقها بواسطة حرب عصابات يمكن أن تُشَنّ عليها، وبذلك يمكن تطبيق النموذج الأفغاني في كشمير؛ حيث يمكن إجبار الهند على سحب قوتها من هناك.
 
الثالث: هي عدم الثقة في الولايات المتحدة بعد أن تخلت عن أفغانستان وباكستان، بل وتثور حولها الشبهات في اغتيال ضياء الحق.
 
لذلك ستواصل القيادة العسكرية نهجها، وهو الصبر حتى تخرج أمريكا من أفغانستان، ومقابلة الضغوط الأمريكية بمحاولة الالتفاف حولها بقدر الإمكان، وفي نفس الوقت إخضاع الحركة الإسلامية، وبالأخص المسلحة منها، بجميع الوسائل سواء السياسية والعسكرية حتى تنضوي في الاستراتيجية الباكستانية.
 
وفي العموم جاء الكتاب مليئًا بالمعلومات والبيانات، جامعاً تلك المعلومات بالطرق والمناهج العلمية، بين الوصفية والتاريخية والتحليلية، وهي مستقاة من المراجع التي نجدها في نهاية الكتاب من كتب وتقارير ومجلات ووثائق، فجاء البحث شاملاً، واضعًا لنفسه مكانة في المكتبة السياسية.
 
·          كاتب وصحفي مصري.
 
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق