العلماء المشاركون في ندوة الجمعية الشرعية بالقاهرة يؤكدون:
الطريق لا يزال طويلًا؛ وأن الإصلاح السياسي عندما يتم يكون بداية لطريق طويل من الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والسلوكي.
د. المهدي:
- إن اجتماع هذا الشباب قوة؛ ولهو خير درس وعبرة وعظة لمن أراد أن يعتبر ويتعظ.
- لابد من ترشيد الثورة حتى لا تتم سرقتها أو السطو عليها، ويكون ذلك بمقاومة الفساد والمفسدين.
- لابد من الوعي والحيطة للمخاطر التي تهدد مكاسب الثورة.
- يجب التصدي للحاكم الظالم بكل الوسائل المشروعة؛ ومنها المظاهرات السلمية التي ليس فيها قتل ولا تخريب ولا تدمير.
د. عمارة:
-لم أر في حياتي كلها؛ خروجًا مُذلاً ومهينًا لملك أو رئيس مثل ما حدث لمبارك.
- علينا أن لا نتكلم كثيرًا عن الأحلام والآمال، بل أن نبدأ في الإصلاح الحقيقي علي كل المستويات وفي كل المواقع.
- على المجاهد أن يكون يقظًا دائمًا، وأن تظل يديه على الزناد فهناك انتشار أخطبوطي لبقايا النظام.
كتبه الأستاذ: جلال الشايب
يعد من أهم مكاسب ثورة الخامس والعشرين من يناير أنها أعادت لشعب مصر، على اختلاف طوائفه، ثقته في نفسه وفى قدرته على الفعل والتغيير، واختيار حكامه، وتقرير مصيره، فلقد نجحت الثورة فعليا في إحداث التغير المطلوب من إسقاط نظام فاسد بائد؛ ولكن المطلوب الآن هو الإصلاح الفعلي على النهج الصحيح.
وفي إطار هذا الموضوع نظمت الجمعية الشرعية بالقاهرة ندوة تحت عنوان « الإسلام ومعالم الإصلاح في مصر الآن» حاضر فيها فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار محمد المهدي الرئيس العام للجمعية الشرعية، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، والأستاذ الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي المعروف، وعضو مجمع البحوث الإسلامية كذلك، والأستاذ الدكتور محمد مختار جمعة الوكيل العلمي للجمعية الشرعية، والأستاذ بجامعة الأزهر الشريف.
وأدار الندوة وبدأها الدكتور محمد مختار جمعة؛ بادئ بالتأكيد على أن الطريق لا يزال طويلًا؛ وأن الإصلاح السياسي عندما يتم -بإذن الله- لا يكون هو نهاية الإصلاح؛ وإنما يكون هو البداية لطريق طويل من الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والسلوكي على المسويين الفردي والمجتمعي، وذلك لإصلاح الإنسان (عقيدة وشريعة وأخلاقا)، وصولا إلى بناء إنسان مسلم في مجتمع تسوده المحبة والعدل الاجتماعي وغير ذلك.
وأشار الدكتور جمعة إلى نقطة على الجميع إدراكها في المرحلة الراهنة؛ وهي أنه لابد الآن أن تتخلص الأمة من الفساد والطغاة المفسدين للبلاد والعباد؛ ذلك الفساد الممنهج، والمدروس والمنظم.
عبرة وعظة
عبر الدكتور محمد المختار المهدي رئيس الجمعية الشرعية عن بالغ عجبه فيما حدثه بقوله "فسبحان من يغير ولا يتغير"، وذكر قول الله تعالى في سورة يس { فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، وقوله تعالى { نَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئًا أن يقولَ لَهُ كُنْ فَيَكون } ،فسبحان الله الذي جعل موعدًا محددًا لكل ظالم، فالوعد والوعيد الإلهي لا بد من نفاذه.
وأشار الدكتور المهدي أن الله شاء أن تكون هذه الهّبة والفورة والثورة على الظلم والظالمين؛ تأتي على أكتاف الشباب، ولم يكن هؤلاء الشباب منتميًا إلى حزب أو اتجاه معين، وتلك حكمة إلهية؛ إذ لو كانت الشعارات إسلامية مثلًا لتكتل الشرق والغرب على إجهاضها وإطفاءها، ولكن أراد الله {إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئًا أن يقولَ لَهُ كُنْ فَيَكون} ، ثم قدم فضيلته التحية لهذا الشباب الذي ضحى وصمد؛ ذاك الصمود وتلك الوحدة الفكرية التي ضيعت على الظالمين ما يبنوا عليه آمالهم وأحلامهم في تفريغها من أسسها.
مؤكدًا على أن العيدان إذا تجمعت تقوت، وإذا انفرد تآكلت، وعليه فإن اجتماع هذا الشباب قوة ولهو خير درس وعبرة وعظة لمن أراد أن يعتبر ويتعظ، فالاجتماع قوة، والوحدة أساس كل قوة يراد لها أن تنجح.
وعن غياب الجمعية عن المشهد العام للثورة رغم أنها اكبر جمعية دعوية وخيرية في مصر قال: اتخذت الجمعية الشرعية نهجًا عقلانيًا من خلال مراقبة الأحداث والمشاركة الايجابية فيها دون الإعلان عن هويتها حني لا تتمزق الصفوف، بدليل أن شباب وعلماء الجمعية الذين شاركوا في الثورة طلبوا مني أن يقوموا بذلك تحت اسم الجمعية، فرفضت بشدة لأن شعارنا "ليس مهما من يرفع الراية ولكن المهم إن ترفع الراية".
مُلفتًا الأنظار إلى أنه ورغم أن الثورة لم تتخذ نهجًا إسلاميًا من خلال وجود تيارات إسلامية (تحت أي شعارات) فيها إلا إن أخلاق المشاركين كانت إسلامية بدليل أنه لم تكن هناك حالة تحرش واحدة بل إن الجميع كانت تجمعهم الأخوة والغيرة علي الوطن ورفض الظلم.
وشدّد الدكتور المهدي في حديثه على أنه لابد من ترشيد الثورة حتى لا تتم سرقتها أو السطو عليها، وفي نفس الوقت تفعيل وتنشيط مكاسبها، ويكون ذلك بمقاومة الفساد والمفسدين وان يبدأ كل إنسان بنفسه بإصلاحها، وأن يتقي الله في دينه ووطنه وأسرته وعمله وأن يقدم المصلحة العامة علي الخاصة. وأن نعيد قيمة الوقت والعمل والعلم في حياتنا لأننا لن نتقدم ونعوض الخسائر التي حدثت إلا بالثلاثية السابقة وان يكون الجميع علي قلب رجل واحد.
ولقد آن الأوان بعد نجاح الثورة هذا النجاح المذهل، أن يتم دفع عجلة الإنتاج التي تضررت كثيرا أثناء الثورة وبعدها بسبب البلطجية وأرباب السجون وحوادث السرقات والتعدي على أملاك الدولة والمواطنين من قبل مأجورين مرتزقة.
كما نبه كذلك على وجوب تنقية مصر من ميراث النظام السابق من خلال الوزراء وكبار المسئولين المفسدين الذين ما زال بعضهم يحتل مواقع قيادية حتى الآن ويعملون علي تفريغ الثورة من مضمونها والقضاء علي مكاسبها.
محذرا من ذيول هذا النظام السابق؛ مستعجبًا تلك المظاهرات المؤيدة للنظام السابق، والرئيس السابق؛ التي تم تنظيمها في ميدان مصطفي محمود مواكبة مع جمعة النصر، فإذا كان النظام قد زال فعليا فلمن تقام هذه التجمعات كلها، وهو ما يدل على وجود ذيول للنظام يريد أن يفرغ الثورة من مضامينها الحقيقية بمظاهرات مضادة، ولهذا على الجميع الآن أن يرى تلك الغيوم التي لا تزال تكتنف المستقبل، ولابد من الوعي والحيطة للمخاطر التي تهدد مكاسب الثورة.
وتعليقا على من وصف الثورة بأنها خروج علي الحاكم، قال الدكتور المهدي: فيما يتعلق بالخروج علي الحاكم حيث يحرم الخروج علي الحاكم العادل؛ أما الحاكم الظالم فانه يجب التصدي له بكل الوسائل المشروعة ومنها المظاهرات السلمية التي ليس فيها قتل ولا تخريب ولا تدمير، وهذا هو ما حدث في مصر، أما الدماء التي أريقت فإنها حدثت بسبب غباء النظام الفاسد الذي سمح باستخدام الذخيرة الحية في مواجهة المتظاهرين سلميًا.
شاهد على الرحيل
بين المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية على أنه شاهد على رحيل ملوك ورؤساء في مصر في الحقب الزمنية الأخيرة؛ فلقد شاهد رحيل الملك فؤاد، وابنه فاروق، والأمير أحمد فؤاد، ثم محمد نجيب أول رئيس جمهورية لمصر، ثم وفاة عبد الناصر، ومن بعده وفاة السادات، إلا أنني لم أر في حياتي كلها؛ خروجًا مُذلاً ومهينًا مثلما حدث للرئيس مبارك.
وعن رأيه في الأسباب التي أوصلت مبارك لهذه الحالة الفردية من الذلة والهوان؛ يقول الدكتور عمارة: إن ما حدث كان عدلاً وقصاصًا إلهيًا لخطاياه تجاه دينه وأمته وشعبه؛ وهي كثيرة، فهناك كثير من المحطات التي أوصلته إلي ذلك، وجعل الثورة بهذا الانتشار والعمق أكثر من أي ثورة مصرية عبر التاريخ، ومن تلك الخطايا التي لن يغفرها التاريخ لمبارك؛ وهي على سبيل المثال طبعًا، تحالفه مع النظام الصهيوني الذي وصف مبارك قبل أسابيع فقط من الثورة؛ بأنه "كنز استراتيجي للأمن الإسرائيلي"، وهذا وحده عار يكفي لهذا الخورج المشين.
ثم يأتي تأييده وبشكل علني للغزو الأمريكي للعراق، وأفغانستان المسلمة؛ وجاء ذلك بعد إعلان بوش أنه يقود حربًا صليبية علي المسلمين؛ ولا يزال القتل والتنصير هناك يتم علي مرأى ومسمع من العالم أجمع.
وأشار الدكتور عمارة إلى الموقف المصري في عهد مبارك تجاه الغزو الصليبي الإثيوبي للصومال؛ موردًا مقولته الشهيرة عقب تلك الأحداث والتي نشرت في الصحف "نحن نتفهم دوافع الغزو الإثيوبي للصومال".
مشيرًا إلى أن هذا نظام عاش طوال الأعوام 30 الماضية؛ يُقدم نفسه كشرطي للشرق لمحاربة الإسلام، وحراسة أمن إسرائيل؛ فشجع علي غزو لبنان، وحصار وقتل المسلمين بغزة، وصمته ورضاه على تهويد القدس، وعلى ابتلاع الصهيونية لفلسطين.
كما أكمل الدكتور عمارة تعديد مساوئ النظام ومفاسده؛ فذكر تجارة أركانه مع الصهاينة وبيع الغز لهم بأقل من ثلث ثمنه العالمي، وبيع الاسمنت والحديد الذي تبنى به المستوطنات والجدار العنصري. فضلاً عن تفكيكه لمفاصل الشعب المصري، فمسخ الأحزاب، وفكك ودمر النقابات، وحتى القضاء لم يسلم من شرورهم؛ فحاولوا إفساده بالترغيب تارة، وبالترهيب أكثر.
وعجب الدكتور عمارة من أن مصر التي فيها أطول أنهار الدنيا؛ أصبح شعبها مهددًا بالعطش، وشهداء الحصول علي الخبز، كما أنه وفي ظل هذا النظام وصل عدد المصريين تحت خط الفقر ما بين 40 إلى 50% بعد أن بيعت مصانع مصر (خردة)، وتم التفريط في الأهرامات الصناعية التي بناها طلعت حرب بأرخص ثمن، ناهينا عن الزراعة التي أفسدها الصهاينة وعملائهم في مصر بأسمدة وبذور ومبيدات مغشوشة.
وعهد عمارة إلى النظام السابق أن القضاء علي كل مشروعات تطبيق الشريعة في مصر لم تحدث في أيام الاحتلال الأجنبي كما حدث في عهد مبارك، كما أنه ولأول مرة في تاريخ مصر الإسلامية تغلق المساجد عقب الصلوات، ولا يعين خطباء المساجد بل كل من في الدولة.
ثم أنه زاد عجبه حينما تذكر مقولة مبارك وقت توليه الحكم أن "الكفن ليس له جيوب"، ونحن نقرأ الآن عن عشرات بل مئات المليارات نهبها هو وعصابته وأركان نظامه.
وأكد الدكتور عمارة على أنه علينا أن لا نتكلم كثيرًا عن الأحلام والآمال، بل أن نبدأ في الإصلاح الحقيقي علي كل المستويات وفي كل المواقع، وعلينا أن نكون نظامًا حرًا قائمًا علي الشورى، كما أنه علينا أن نحول مصر إلي دولة برلمانية لا يكون فيها الرئيس فرعونًا جديدًا، وأن نتصدى للمنافقين من أتباع النظام.
وعن من يسيئون فهم الإسلام ويتحدثون عن الخروج على ولي الأمر الظالم حرام شرعا، وذكر أنهم نسوا المقولة الشهيرة لأبي بكر"أطيعوني ما أطعت الله فيكم، وإن عصت الله فلا طاعة لي عليكم".
وأكد عمارة على مبدأ الشورى وأنها بعيدة كل البعد عن استشارة، فالأولى ملزمة في صناعة القرار، مستدلًا بقولة ابن عطية والتي نقلها عنه الإمام القرطبي في كتابه أحكام القرآن "إن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب وهذا مما لا خلاف فيه".
واختتم الدكتور عمارة كلامه بالتأكيد الواجب علي ضرورة أن يعمل الجميع علي الإصلاح الحقيقي لأن دولة الظلم زائلة ولو كانت مسلمة، كما أنه لابد من تحرير وتصحيح المصطلحات التي وفدت إلينا من الغرب عبر العقود الماضية.
وردًا على سؤال أحد الحاضرين للمفكر الإسلامي عن مدى تفاؤله بما حدث من عدمه؟ فأكد تفاؤله، ولكن تفاؤل حذر؛ فعلى المجاهد أن يكون يقظًا لأن هناك انتشار أخطبوطي لبقايا النظام، وهناك محاولات من الداخل والخارج للالتفاف حول الثورة المباركة، وعلى المجاهد أن تظل يديه دائمًا على الزناد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق