بتاريخ : الخميس 12-05-2011 04:14 مساء | |
خاص بالمركز العربي للدراسات والأبحاث الدكتور عبد الحليم عويس في سطور: مع قبل شهر ونصف شهر تقريبا من تسلم المؤرخ الإسلامي الدكتور عبد الحليم عويس؛ أرفع وسام في الجمهورية السودانية، بعد أن أصدر الرئيس السوداني عمر البشير، قرارًا بمنحه "وسام العلم والآداب والفنون"، والذي لا يُعطى إلا للشخصيات التي أثرت في الحضارة الإنسانية، وذلك على ما قدمه طوال سنين عمره للأمة العربية والإسلامية. وجاء في نص قرار البشير؛ أن الوسام يُعد تسجيلاً صادقًا لجهده وعطائه المتصل في تفسير القرآن الكريم للنشء، ولبحثه المستمر في العلوم الإسلامية، وعرفانًا لدوره المتميز في كل المحافل الإقليمية والدولية بالحجة والقلم، القرار الذي جاء في ظل ظروف صحية بالغة الصعوبة مما خفف من آلامه الجسدية والنفسية. هو الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس، من مواليد: 1943م بمصر، حصل على ليسانس من كلية دار العلوم في 1968م، وعلى الماجستير 1973م، وعلى الدكتوراه 1978م، وكانت في التاريخ والحضارة الإسلامية، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة. عمل أستاذاً بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سبعة عشر عاماً، وفيها وصل إلى الأستاذية سنة 1990م. درَّس في العديد من جامعات العالم الإسلامي. كما ناقش وأشرف على عشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه -بل المئات منهما- في العديد من تلك الجامعات، وانتدب أستاذاً في جامعة الزقازيق بمصر، وبالجامعة الدولية بأمريكا اللاتينية، وهو عضو مجلس أمنائها. وعمل نائبًا لرئيس جامعة روتردام الإسلامية بهولندا، وعمل مستشاراً لرابطة الجامعات الإسلامية. أنجز الدكتور عويس العديد من الموسوعات العلمية الكبيرة؛ منها: موسوعة في الفقه الإسلامي، وتفسير القرآن للناشئين، كما أشرف وأسهم في كتابة موسوعات في التاريخ، وتاريخ الإدارة، والحضارة الإسلامية. وهو صاحب أكثر من مائة مرجع وكتاب وبحث علمي في التاريخ والحضارة والثقافة والعلوم الإسلامية، إضافة إلى مئات المقالات والبحوث المنشورة. وعضو اتحاد كتاب مصر، وخبير بمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، وعضو نقابة الصحفيين المصرية، وعضو اتحاد المؤرخين العرب، ونائب رئيس جمعية رابطة الأدب الإسلامي بالقاهرة. فإلى نص الحوار مع مؤرخنا الإسلامي: ** ذكرتم في كتاباتكم عن إفريقيا واللغة العربية؛ أن اللغة العربية هي اللغة الأصلح لتكون لغة مشتركة لإفريقيا كلها، لتكون أداة مشتركة بين شعوبها وعنوانا لاستقلالها وعاملا على تعميق وحدتها وجمع شملها.. فكيف نستدل على هذا الأمر؟ نعم، فلا توجد لغة إفريقية تستطيع القيام بهذه المهمة سوى اللغة العربية، ويدل على ذلك من خلال بعض الحقائق: أولا: من الناحية السكانية: فإن نسبة السكان الذين ينطقون باللغة العربية تشكل ثلث سكان قارة إفريقيا، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن عدد سكان قارة إفريقيا حوالي 300 مليون نسمة، منهم أكثر من 100 مليون يقطنون الأقطار العربية الأفريقية، كما أن هناك أقليات عربية تقيم في دول إفريقية ليست عربية مثل: تشاد ونيجريا وتنزانيا وكينيا، وهناك كذلك جاليات عربية تقييم في دول إفريقية ليست عربية كالسنغال وغانا وإفريقيا الوسطى وغيرها. ثانيا: من الناحية الجغرافية: تشكل الأراضي العربية أكثر من ثلث مساحة إفريقيا، إذ يبلغ مجموع مساحة الأقطار العربية الإفريقية (4 .68 . 951) ميلا مربعا من مساحة إفريقية كاملة. ثالثا: من الناحية السياسية: حيث يبلغ عدد الدول العربية الإفريقية حوالي خمس مجموع الدول الإفريقية المستقلة، فمن بين الخمسين دولة إفريقية المستقلة تسع دول عربية يتمتع معظمها بأهمية سياسية عالمية وإفريقية، ويلعب ممثلوها دورا مهما في المؤتمرات العالمية والإفريقية. رابعا: من الناحية الدينية: فمن المعروف أن اللغة العربية هي لغة الدين الإسلامي والذي تدين به غالبية الشعوب الإفريقية. خامسا: من الناحية الحضارية: إن أكثر الحضارات التي ازدهرت في إفريقيا من الألف سنة الأخيرة استخدمت اللغة العربية كلغة للإدارة والتعليم كما هو الحال في إمبراطورية مالي وإمبراطورية غانا. مشكلات وحلول ** إذا كان الأمر هكذا فما هي أهم المشكلات التي توجه اللغة العربية في إفريقيا كلغة جامعة؟ بالفعل توجد هناك مشكلات واجهت وتواجه انتشار اللغة العربية في إفريقيا: ومن أهم هذه المشكلات؛ ما يلي: المشكلة الأولى: عدم توافر المواد التعليمية الأساسية: وأقصد الكتب المدرسية التي تستخدم في تعليم الموضوع المطلوب، وتتمتع تلك المواد بأهمية خاصة في مجال العملية التربوية، فهي بمثابة مرجع أساسي يساعد التلميذ والمعلم إذا كانت قد أعدت وفقا لمنهج موضوعي سليم وأخرجت بطباعة جيدة، ويرجع عدم توافر تلك المواد الأساسية لتعليم اللغة العربية إلى عدة أسباب من أهما: - ندرة المتخصصين في حقل اللغة التطبيقي الحديث. - قلة البحوث العربية عن اللغات الإفريقية والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة في الأقطار الإفريقية والأسيوية، فلا توجد معاهد للدراسات الإفريقية سوى معهدي الخرطوم والقاهرة. - عدم تشجيع التأليف والنشر، وما يتبع ذلك من صعوبات التوزيع والمشقة التي يلقاها المؤلف العربي في سبيل إخراج كتابه. المشكلة الثانية: عدم توافر المواد التعليمية المساعدة، ونقصد تلك المواد التي تساعد في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وتكون بستة أنواع من الكتب: - المعجم العربي (الثنائي والأحادي للغة)، وذلك لخدمة غير الناطقين بالعربية، لتكون مرجعا عاما يسهل الرجوع إليه في أي وقت. - كتاب المطالعة المتدرجة الذي يرافق الكتاب المدرسي الأساسي، ويستخدم مفرداته وتراكيبه في سياق مختلف زيادة في تمرين الطلبة. - مرشد المعلم الذي يشرح للمعلم منهج الكتاب المدرسي وطريقة تدريب والأساليب التعليمية التي يمكن استخدامها في تدريس كل مادة من مواد الكتاب المدرسي. - الاختبارات المقننة التي ترافق الكتاب. - كتاب التمارين البيئية، الذي يزود المتعلم بتمارين إضافية على نمط تلك التمارين الموجودة في الكتاب المدرسي. - كتاب التمارين المختبرية الذي قد يستخدمه المعلم فقط في المختبر. المشكلة الثالثة: عدم توافر المعلمين المختصين في تدريس العربية للناطقين بغيرها، فمن المعروف أن المعلم العربي الذي يقوم بتدريس العربية لأبنائها وأغلبية المعلمين غير العرب لم تتوفر لديهم الإعداد المهني أو اللغوي الكافي لتدريس اللغة العربية، فمعظمهم يتبعون طريقة الترجمة، والتركيز على النحو؛ إذ يقوم بترجمة النص العربي إلى لغة الطالب، ومطالبته بحفظها كما هي وان هذه الطريقة لا تساعد المتعلم على تنمية المهارات اللغوية ولا تمكنهم من استعمال اللغة كوسيلة اتصال. ** من وجهة نظركم، ما هي سبل تفادي تلك المشكلات التي أشرتم إليها؟ لتفادي تلك المشكلات الثلاثة السابقة؛ بكل عناصرها، فليعلم الجميع أن العنصر الأساسي والمشترك في عملية تعليم العربية لغير الناطقين بها هو "المعلم"، فينبغي أن تتوفر بعض الشروط في معرفة "معلم العربية"ط، مثل: - المعرفة الوثيقة باللغة العربية، والحضارة الإسلامية، وتفاعلها مع الحضارات الأخرى. - المعرفة الجلية بلغة المتعلمين وحضارتهم، فهذا يساعد المعلم من مقارنة تراكيب اللغة العربية بتراكيب لغة المتعلمين لمعرفة الصعوبات اللغوية التي يواجهها، كذلك تمكنه من اختيار المادة المناسبة وتقديمها لهم بصورة واضحة. - المعرفة العميقة بـ"علم اللغة" الحديث بفروعه المختلفة (الصوتيات، الصرف، النحو، الدلالة، وغير ذلك). - التمكن من استخدام الطرائق الحديثة في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وما يتطلب ذلك من استعمال للوسائل التعليمية الحديثة المناسبة. - التأهيل المهني المتكامل الذي يمكنه من الاستفادة من معطيات التربية وعلم النفس التربوي وتقنين الاختبارات الموضوعية. ولقد أجاد المؤلف علي القاسمي بتأليفه لكتاب "اتجاهات حديثة في تعليم العربية للناطقين باللغات الأخرى". ** ولكن رغم هذه المشكلات التي ذكرتم إلا أن اللغة العربية امتازت الحضور القوي على الساحة الإفريقية، فما تعليقكم؟ نعم؛ امتازت العربية في إفريقيا بحضور قوي، فلقد كان للإسلام الدور الأبرز في انتشار اللغة العربية هناك، حيث سارت العربية مع الإسلام جنبا إلى جنب، وحلقت معه أينما حل، وحيثما ارتحل، كما كان للهجرات العربية لإفريقيا دور آخر في نشر العربية في إفريقيا، ولا نستطيع أن ننسى الدور المميز للتجار المسلمون العرب في نشرها هناك، كما أن للدعاة والمعلمين جهود صادقة ساهمت في نشر الإسلام، والعربية بشكل بارز. كما أن الأمر لم يتوقف عند إلمام مسلمي إفريقيا باللغة العربية على القيام بالشعائر الدينية، أو إتقان بعضهم لقواعد العربية وعلومها، بل انتشرت العربية في كثير من الأقطار الإفريقية، حتى أنها استخدمت كلغة تواصل مشتركة بين القوميات المختلفة القاطنة في هذه الدول، كما استخدمت كلغة للتعليم وللثقافة وللأدب، كما ظهرت الكتب والمصنفات التي وضعها كثير من العلماء الأفارقة المسلمين باللغة العربية في شتى مجالات الحياة، وخاصة العلوم اللغوية والشرعية، كذلك دونت عشرات من اللغات الإفريقية بالحرف العربي، بل وأكثر من ذلك أن العربية استخدمت كلغة للإدارة والحكم في كثير من تلك الدول الإفريقية، فوضعت بها المراسيم، وصيغت بها القوانين، وصارت لغة المراسلات والمكاتبات الحكومية. ** مع كل ما ذكرتم؛ إلا أن اللغة العربية شهدت تراجعًا ملحوظًا على المستوى الإفريقي في العصر الحديث، فلماذا من وجهة نظركم؟ بالفعل؛ شهدت اللغة العربية تراجعًا خاصة بعد قدوم الاستعمار الأوربي للأراضي الإفريقية وما صاحبه من فرض ونشر للغات المستعمر، ومحاربته لنفوذ وتفوق وانتشار العربية هناك، فتوقف الامتداد الكبير الذي حققته العربية خلال عصور التفوق الحضاري الإسلامي، وبدا انحسار وتراجع اللغة العربية أمام اللغات الأوروبية المفروضة بحكم الاستعمار. ** هل لنا في رسم خريطة لتواجد العربية في إفريقيا؟ رغم ما تعرضت له اللغة العربية من تحديات ومعوقات منذ قدوم المحتل الغربي، وفقدانها لكثير من إنجازاتها التي حققتها فيما مضى، إلا حضورها في القارة الإفريقية –جنوب الصحراء- لا زال مشهودا وإن تفاوت من منطقة لأخرى. وما زالت العربية والثقافة الإسلامية تتمتعان بحضور قوي كذلك في بلدان شرق وغرب إفريقيا، أما في وسط إفريقيا فباستثناء تشاد وشمال الكاميرون؛ لا نكاد نجد اللغة القرآن الكريم أثرًا كبيرًا. وفي دول جنوب إفريقيا يصل حضور اللغة العربية لأقل معدلاتها تقريباً، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الإسلام يمثل دين الأقلية في هذه البلدان، ونحن نعلم أن خريطة الإسلام تكاد تطابق خريطة انتشار اللغة والثقافة العربية في إفريقيا. استخدامات العربية في إفريقيا ** ما هي أهم أدوار واستخدامات اللغة العربية في إفريقيا جنوب الصحراء؟ أهم أدوار واستخدامات اللغة العربية في إفريقيا جنوب الصحراء، ما يلي: يعد الدور الديني أحد أهم الأدوار التي تقوم بها اللغة العربية على الإطلاق في دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تعد العربية اللغة الدينية للمسلمين هناك؛ فهي لغة القرآن الكريم، ولغة الشعائر الدينية، وبها تقام الصلاة، وتلقى بها خطب الجمعة والعيدين، وفي بعض الأحيان تلقى بها دروس العمل في المساجد، ولذلك فإنها تتمتع بمكانة كبيرة في نفوسهم، كما أنهم ينظرون إليها نظرة احترام وتقديس، وهي في نظر كثير منهم لغة الفكر والحضارة والتاريخ، وهي الرسالة التي يحملونها في الحياة، وهي لغة علمائهم وفقهائهم وأئمتهم، وهي بالنسبة إليهم ليست لغة قبيلة معينة، ولا شعب معين، ولكنها لغة الأمة والإسلام، مهما اختلفت لغاتهم وألوانهم وأوطانهم وأزمانهم. كما يحرص الكثيرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء على تعلم العربية، فأي مسلم –بصرف النظر عن لغته الأم- لابد له من الإلمام ببعض العبارات العربية، مثل الشهادتين: " أشهد أن لا إله إلا الله، وان محمدا رسول الله"، وعبارة التحية "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، والبسملة، أو غيرها، كما يجب عليه حفظ الفاتحة وبعض آيات القرآن باللغة العربية، حتى يستطيع أن يؤدي الصلاة المكتوبة. ومن أراد أن يزداد تفقها في الدين؛ فعليه أن يزداد علما باللغة العربية ليطلع على المؤلفات الدينية الأصلية من كتب الفقه والشروح والتفاسير والحديث ... إلخ. وأدى هذا الارتباط الوثيق بين اعتناق الإسلام واللغة العربية لمنح العربية درجة من الانتشار في كل المناطق التي تضم جماعات إسلامية، وكلما زاد عدد المسلمين كانت فرصة إقامة حلقات العلم والمدارس الإسلامية أكبر، الأمر الذي يستتبع انتشار للعربية أكثر وأكثر. ** ما هي المكانة التي تحتلها اللغة العربية داخل المؤسسات التعليمية الإفريقية؟ تتمتع اللغة العربية بحضور حقيقي في التعليم في عدد غير قليل من دول إفريقيا جنوب الصحراء، سواء في التعليم الإسلامي الأهلي، أو في التعليم الحكومي، وغن كان حضور العربية هذا أكثر بروزا وكثافة في التعليم الأهلي عنه في الحكومي. فللعربية وجود قوي في المؤسسات التعليمية الإسلامية التقليدية كالخلاوي، والكتاتيب، والمحاضر، والدارات. ويتم تعليم العربية في هذه المؤسسات بشكل بدائي، والهدف الأساسي منه ديني؛ حيث يتم تعليم العربية من أجل تمكين الطلاب من قراءة وتلاوة القرآن الكريم، والنصوص الدينية الأخرى المكتوبة بالعربية، وغالبا ما تنتهي هذه المرحلة بختم الطالب للقرآن الكريم. ونظرا لن هذه المدارس القرآنية لا تفي بمتطلبات العصر الحديث، لعد تدريسها المواد الحديثة، كما أنها في الغالب لا تخضع لإشراف الحكومة، ولا تحظى باعترافها، لذلك أخذت هذه المدارس في فقد الكثير من أهميتها، ولكن على الرغم من ذلك ما زالت هذه المؤسسات التقليدية تحظى بحضور شعبي واسع في الدول الإفريقية نظرا لحب الناس للقرآن، وشغفهم الآباء بختم أبنائهم للقرآن؛ وهو الهدف الأسمى لديهم. أما في المؤسسات التعليمية الإسلامية النظامية الأهلية، التي تضم عدد من المدارس والمعاهد الحديثة، والتي قد تتبع بعض المنظمات والجمعيات الأهلية، أو حتى تتبع أفرادا، فهي عادة ما تعتمد العربية لغة تدريس فيها، وهي تطبق المنهج الدراسي الأزهري المصري، أو المنهج السوداني، أو الليبي، أو الجزائري، طبقا للجهة الممولة. والبعض الآخر منها يتبع مناهج ومقررات وزارة التعليم في دولها، بحيث تدرس المواد المختلفة بلغة الدولة، بالإضافة إلى تعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية كمواد دراسية. وهذا النوع من ا لمدراس ينتشر في معظم الأنحاء الإفريقية وتجد هذه المدارس قبولا كبيرا من المسلمين، نظرا لما تتمتع به من إمكانيات تعليمية أكثر تقدما، ولأنها ذات مستوى تعليمي أفضل، فضلا عن اعتراف العديد من الحكومات الإفريقية بها، والشهادات التي تمنحها. ** تعد وسائل إعلام كل دولة؛ المتحدث الرسمي لهذه الدولة، فأين العربية من وسائل الإعلام الإفريقية؟ تستخدم اللغة العربية في وسائل الإعلام في دول إفريقيا جنوب الصحراء بنسب متفاوتة من دولة لأخرى، كما تتباين نسبة حضورها في وسائل الإعلام الحكومية عن نظريتها الخاصة، ففي دول شرق إفريقيا نجد أن اللغة العربية تحظى بحضور واسع وملحوظ على الساحة الإعلامية بشكل عام. فمثلا في جيبوتي يبث التليفزيون الحكومي ساعة للأخبار باللغة العربية يوميا، كما يفرد للبرامج الثقافية ساعات معتمدة بالعربية ليومين أسبوعيا، وللبرامج الدينية ساعات معتمدة كذلك لثلاثة أيام أسبوعيا، أما الإذاعة فتبث ثلاث ساعات بالعربية يوميا للبرامج المختلفة، إلى جانب ساعة للأخبار، وكما تصدر جريدة "القرن" الحكومية الناطقة بالعربية مرتين أسبوعيا. وفي إثيوبيا تخصص الإذاعة ساعة يوميا من إرسالها للبث باللغة العربية، كما تصدر عدة صحف إثيوبية باللغة العربية، ومنها صحيفة "العلم" الحكومية، ومثل مجلة "بلال" و "الرسالة". وهناك أيضا إريتريا فيها جريدة ناطقة بالعربية تسمى "إريتريا الحديثة" وفي المقابل فإنك تجد غياب إعلامي واضح للغة العربية في الصومال العربية، كذلك يقل حضور العربية بشكل عام في بقية دول شرق إفريقيا. وفي دول غرب إفريقيا تجد حضورا للغلة العربية في وسائل الإعلام المختلفة: ففي مالي مثلا، تجد العربية في الإذاعة والتليفزيون والصحافة، وفي نيجريا تبث إذاعة صوت نيجريا بالعربية، وفي سيراليون يوجد حضور ولكنه محدود. أما في دول جنوب إفريقيا يقل استخدام العربية بشكل كبير في وسائل الإعلام المختلفة. ** ذكرتم في أول حديثكم معنا أن هناك ممن يتعامل بالعربية كلغة رسمية في بعض الدول الإفريقية، فهلا أشرتم إلى هذه النقطة بتوضيح أكثر؟ بالتاكيد؛ ونقصد هنا بالرسمية: اللغة المستخدمة في إدارة وتسيير الأعمال الحكومية، والتي تتم بها المكاتبات والمراسلات وكافة أعمال الدولة، وغالبا ما ينص دستور الدولة ويحدد لغتها، أو لغاتها الرسمية، وفي أحيان قليلة أخرى يمسك عن ذكرها. والملف هنا في هذا الشأن إن أغلب الدول الإفريقية، وخاصة جنوب الصحراء، تبنت اللغات الأوروبية كلغات رسمية لها؛ حيث نجد أن هناك ثلاثة وأربعين دولة، من بين ثلاثة وخمسين دولة إفريقية تستخدم اللغات الأوروبية كلغات رسمية؛ فاختارت اثنتان وعشرون دولة اللغة الفرنسية كلغة رسمية، بينما توجد تسع عشرة دولة تستخدم الإنجليزية، واعتمدت خمس دولة البرتغالية كغلة رسمية لها، أما الأسبانية فقد أقرتها دولة واحدة. وهناك بعض الدول التي اختارت لغة إفريقيا كلغة رسمية، أو ثانية إلى جانب إحدى اللغات العالمية. أما عن الدول التي اختارت اللغة العربية كلغة رسمية لها في إفريقيا؛ فنجد أنها لم تقتصر فقط على شمال إفريقيا الناطقة بالعربية، والتي تضم مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، بالإضافة إلى السودان وموريتانيا؛ بل تعدتها لتضم أربع دول إفريقيا أخرى اختارت العربية لغة رسمية لها، إلى جانب لغات أخرى، وهي تشاد، وجزر القمر، وجيبوتي؛ التي تبنت العربية كلغة لها إلى جانب الفرنسية، والصومال التي اختارت العربية كلغة رسمية إلى جانب الصومالية، ليصير بذلك عدد الدول الإفريقية التي اختارت العربية لغة رسمية لها إحدى عشرة دولة. ** هل يقتصر وجود اللغة العربية في بعض الدول الإفريقية على ما ذكرتم أم أن هناك أشكالا أخرى، وكيف ذلك؟ بل هناك أشكالا أخرى؛ لأنه لا يعد وجود العربية كلغة رسمية في بعض الدول الإفريقية هو الشكل الوحيد؛ وإنما نجدها حاضرة بقوة في عدد من الدول الأخرى؛ باعتبارها لغة وطنية لبعض القوميات بها، بحيث تتحدث هذه القوميات العربية، وتستخدمها في التعامل فيما بين أفرداها، أو تستخدمها كلغة إدارة للإقليم الذي تقطنه، أو تستخدمها في بعض مراحل التعليم بها. فعلى سبيل المثال: نجد أن دولة إثيوبيا، التي حوربت فيها العربية لفترات طويلة، وتم العمل على تحجيمها من قبل ملوكها وحكامها، رغم عدد المسلمين الكبير بها، شهدت مؤخرا الاعتراف باللغة العربية كلغة وطنية لإقليم بني شنقول – جوموز المتحدث بالعربية والمجاور للحدود السودانية، والذي اختار اللغة العربية كلغة للإدارة والعمل بالإقليم، وكلغة تعليم في مرحلة التعليم الأوّلي. وفي مالي والنيجر كذلك تعد العربية كلغة وطنية وبنصوص الدستور هناك. إلا أن وضع العربية كلغة تعامل مشترك في دول إفريقيا جنوب الصحراء أخذ في التراجع أمام انتشار وسيطرة اللغات الإفريقية المحلية الكبرى، كالسواحيلية، والصومالية، والأمهرية في الشرق الإفريقي، والهوسا والفولانية والماندينجو في الغرب؛ هذا من ناحية، وأمام التقدم والنفوذ الكبير للغات الأوروبية الرسمية في تلك الدول من ناحية أخرى. ** كلمة أخيرة من فضيلتكم. أقول: أيها القارئ العزيز؛ ختامًا دون جلد الذات، أو إلقاء بالتبعة على الغرب والاستعمار، ودون سرد لتوصيات واقتراحات، يمكن القول: إن العربية في إفريقيا جنوب الصحراء قد استعادت بعض عافيتها بعد مرور حوالي نصف قرن على رحيل الاستعمار، ولكن ليس هذا هو أقصى ما تطمح إليه العربية من منزلة؛ فاللغة العربية بها ولها من مكانة في نفوس مسلمي إفريقيا؛ مرشحة لتتبوأ مكانة اعز من ذلك، بشرط أن ترتبط بمصلحة من يتعلمها، وان تضمن له حراكا اجتماعيا، وتوفر له فرص عمل مناسبة، وبعبارة أخرى: أن تكون اللغة العربية لغة دنيا، ولغة دين، دون إفراط أو تفريط. · هذه تكون بنرات داخلية ماذخوة من الحوار كاقوال مهمة: العربية هي اللغة الأمثل لتكون أداة مشتركة بين شعوب إفريقيا. من أراد أن يزداد تفقهًا في الدين؛ فعليه أن يزداد علمًا وتعلمًا للغة العربية. اللغة العربية في إفريقيا قد استعادت بعض عافيتها؛ وليس هذا فقط أكثر ما تطمح إليه العربية. "حقوق النشر محفوظة لموقع "المركز العربي للدراسات والأبحاث"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر" |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق