أجرى الحوار: جلال الشايب
الأستاذ الدكتور "محسن عبد الحميد" لـ" البيان" :
- لقد أثبتت استجابة الحضارة الإسلامية، حتى في أضعف أدوارها المتأخرة أنها وُجدت لتبقى، لا لتفنى.
- لم تسقط الحضارة الإسلامية في أية فترة من فترات تاريخها.
- ما أشاعه البعضُ من أن العالم الإسلامي مرّ بفترة عصور مظلمة لا أساس له من الصحة.
- لا يتصور البعض أن مجرد اتصاف الحضارة بالإسلامية، لابد أن يعطيها سمة الكمال.
- افتراض وجود حضارة إسلامية معصومة، لا أساس له من الصحة، لأن الحضارة تابعة من حركة الإنسان، والإنسان غير معصوم.
فتحت الثورات العربية والمصرية مجالات جديدة لحرية الرأي والتعبير؛ وهو ما لا شك فيه أمر جيد في بعض الأحيان؛ وطالما التزم هذا الرأي بعدم الخوض في مسائلَ من شأنها الأخذُ من الدين، أو التقليل من شأن الشريعةِ الإسلاميةِ، إلا أن الكثيرَ من التيارات لم تلتزم بهذه المسلمات، لأنها ببساطة؛ لا ترى أنها من المسلمات، فأصبحوا ينادون بإبعاد الدين عن السياسية، لدرجة أن يصل الحال ببعضهم فيقول: (وما الذي أدخل الله في السياسية)، وهو ما فتح الصراعَ أمام الإسلاميين للردّ والذبّ عن دين الله تعالى، وعن شريعته السمحاء.
فعلا صوت الباطل، مجاهرين بعدائهم للدين، مقررين مبدأ: ما لله فهو لله، وما لقيصر فهو لقيصر، مشككين في كل ما هو إسلامي، وأن الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية، مضى وقتها، ولم تعد تنفع لمجاراة الحياة البشرية الآن –حسب زعمهم-.
فكان لابد من محاورة أحد المتخصصين على الساحة الإسلامية والعربية، الذين جمعوا بين العلوم الشرعية والعلوم التجريبية، تعلموا العلم، وشاركوا في الحياة السياسية بمرجعيتهم الدينية الإسلامية التي تعلموها؛ للوقوف على صحيح الأمر.
فكان هذا الحوار مع الأستاذ الدكتور محسن عبد الحميد، أستاذ التفسير وعلومه، ومؤسس هيئة علماء المسلمين بالعراق، ورئيس الحزب الإسلامي العراقي.
فإلى الحوار:
البيان: أظهرت الثورات العربية؛ جذوة الصراع بين الإسلاميين وغيرهم، فنجد مثلاً هناك من ينادي بفصل الدين عن الدولة، وعن مناحي الحياة السياسية، متحججين بأنه لا يصلح لتكوين دولة سياسية كما يحتاجها الناس الآن، فبماذا نرد على هؤلاء ومن على شاكلتهم؟
أولاً: إن الثورات الحالية في رأيي هي حالة إيجابية؛ لأنها أعادت الوعي والكرامة إلى شعوبها، وهي حالة كنا نتمناها من أجل الخلاص من الاستبداد والاستلاب، بيد الظالمين والمجرمين الذين سرقوا قوتها وتصرفوا بثروتها وأعاقوا تقدمها ووحدتها، وما قد يقع فيها من سلبيات مؤقتة وطبيعية عندما تنتقل الشعوب في حالة السقوط إلى حالة القيام.
ثانياً: أما من ينادي بالحكم لغير شريعة الله تعالى، أو على الأقل تنحيتها جانباً؛ فلهم أن يعلموا أن الله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام، خاتماً للأديان، ومكملاً لها، ومصححاً لما وقع فيها من الانحرافات والتشويه والزيادات عقيدةً وشريعة وسلوكاً، وأوكل الله تعالى حفظه إلى نفسه، ودعا رسوله الأكرم إلى تبليغه للناس كافة.
فقضى رسول الله صلى الله علي وسلم حياته في سبيل إنشاء أمة مجاهدة عابدة عاملة رائدة، ولم يلتحق بالرفيق الأعلى، حتى صاغها صياغة ربانية كريمة في حدود الظروف المتاحة يومئذ، ثم واصلت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم جهودها الجبارة على الجهات كلها في سبيل ترسيخ أسسها ونشر مذهبيتها الشاملة في شؤون الكون والمجتمع والإنسان، حتى استقر لها الأمر ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
وانطلقت موجات الحضارة الإسلامية بعقيدتها الصافية، وشريعتها السمة، وأخلاقها الفاضلة وإنسانيتها النبيلة، تسخر ما في الأرض وتعمرها عليها، وتؤسس دولة مدنية إسلامية رائدة متوازنة، حملت لواء العلم والمعرفة، وأشرقت بها على العالم شرقاً وغرباً، قروناً منتجة خصبة.
ثم دبّت فيها تدريجياً عوامل الضعف الإيماني والجدل العقيم وثقل الصراع في الأرض من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فبدأت تهوي رويداً رويداً، إلى أن هوى هيكلها السياسي وتمزقت وحدتها الاجتماعية، وذوت أصالتها المعهودة وتوثبها الدائم وتجددها الواعي.. وهنا فتح الباب لأمثال منذ ذكرت.
البيان: هل استطاعت التحديات المختلفة كالحضارات الغربية المادية خارجياً، وتيارات الفكر المختلفة كالعلمانية والليبرالية والشيوعية وغيرهم أن تنال من قوة حضارتنا وإسلامنا؟
لم تستطع تلك التحديات الداخلية والخارجية كلها على مدى القرون (قديماً وحديثاً) أن تنال من قوة هذه الحضارة الإسلامية، وهو ما يثبت أن الحضارة الإسلامية لم تسقط في أية فترة من فترات التاريخ، وما أشاعه بعض المستشرقين من أن العالم الإسلامي مر بفترة عصور مظلمة لا أساس له من الصحة في القرون الأخيرة.
نعم إن عوامل النكوص والتأخر العام قد فعلت فعلها فأعاقت الحضارة الإسلامية من استمراريتها البرّاقة المبدعة في اتجاهات الحياة كافة، غير أنها قط لم تدخل في دائرة السبات والتلاشي.
ومن المشكوك فيه أن تنطبق مقولة "شبنجلر" " أن كل حضارة تمر بمراحل العمر ذاتها التي يمر بها الفرد الإنسان، فلكل حضارة طفولتها وشبابها ورجولتها وشيخوختها" على الحضارة الإسلامية، لأن هذه الحضارة متجددة، بفعل الإسلام وفي داخله ضوابطه ومذهبيته الكونية العامة، ولذلك أثبتنا سابقاً أنها حضارة خالدة، لن تموت بإذن الله تعالى.
فعلى مرّ العصور كانت هنالك حقيقة تجلب نظر الباحثين بقوة ووضوح، لأنها حقيقة مستقرأة من أحداث التاريخ، وهي أن الحضارة الإسلامية كيان قائم بذاته، مثل نهر خالد يجري بين شاطئين طويلين متعرجين يضيقان حيناً ويتوسعان حيناً آخر حسب التضاريس البيئية، وعلى الرغم من هذا الاختلاف الظاهري، في مساحة السطح إلا أن النهر بذاته مستمر في تدفقه الخالد.
كذلك حال الحضارة الإسلامية، فهي تتحرك داخل الكيان الإسلامي الكبير يضيق سطحها حيناً ويتوسع حيناً، ولكنها تبقى هي الحضارة الإسلامية بمذهبيتها وخصائصها وبواقعها.
البيان: هذا يعيدنا للسؤال عن تاريخينا المجيد والحافل بالفتوحات، والانجازات؛ وهو ما يجعلنا نسأل هل توقفت الحضارة الإسلامية عند زمن ومكان خلال تطور ذلك التاريخ؟
لم تتوقف هذه الحضارة في زمن من الأزمان خلال تطور التاريخ الإسلامي، مهما تنوعت الكيانات السياسية، بحيث تربط بينها وحدة متراصة تتقدم بنفسها وبالقوة الفاعلة بها.
وهذا دليل على أن الكيانات الإسلامية القوية أو الضعيفة في الشرق أو في الغرب، في الشمال أو في الجنوب، لم تحل بين المسلمين ووحدة حضارتهم.
فهذه الحضارة بدأت في كل بلد إسلامي من صيحة التوحيد الأولى "الله أكبر.. لا إله إلا الله" فالمساجد الكبرى والصغرى التي أقيمت في العالم الإسلامي لتحويل تلك الصيحة إلى سلوك وعمل، حقيقتها الروحية واحدة على الرغم من الاختلاف الظاهري الذي أسبغت عليه البيئة من مظاهرها الخارجية كمواد البناء وطرز الهندسة المعمارية.
ثم إن هذه الحضارة تولدت في كل مكان من اللحظة التي أشعل فيها القدوة العظمى، رسول الله صلى الله عليه وسلم مشعل مؤسساتها وتنظيماتها المادية والمعنوية، ثم تلقاها أصحابه فنشروها في كل مكان عبر إيمانهم القوي وحماسهم المنقطع النظير وجهادهم المتواصل في الإعداد والترتيب والتنظيم.
فالبدايات كانت قوية، عقيدة وقدوة وجمعاً مباركاً، بحيث جاء البناء الضخم الذي بني عليه قوياً ومستمراً، تحول في إطار (الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة) إلى فعل أبدي مستمر.
البيان: هلاّ ضربت لنا بعض الأمثلة على ذلك؟
عندك؛ في المغرب الإسلامي مثلاً؛ ضعفت السلطة السياسية العليا ولم يعد باستطاعتها أن تقاوم الغزو المكثف الحاقد الأوروبي الذي قاده ملوك أوروبا في سبيل إحداث أندلس أخرى في شمالي إفريقيا، فعلى الرغم من ضعف المقاومة المسلحة التي كانت تتمثل في دولة ضعيفة قابعة في مراكش، استطاع الشعب المسلم بقياداته العلمية والإيمانية وبضعف إمكاناته المادية والحربية أن يقود معركة حضارية رهيبة في وادي المخازن، عبر تضحيات جسيمة، لا يقدرها حق القدر إلا الذي أطلع على تفاصيل ما جرى فيها من أحداث هائلة، أن يمني الجيوش الأوروبية كلها التي حشدت بأمر من البابا بقيادة ملك البرتغال بهزيمة ساحقة، فأنقذ دم الشعب الزكي الحضارة الإسلامية في تلك البقعة من الذوبان في الحضارة الأوروبية ديناً وتاريخاً وثقافةً ولغة.
بينما لم تستطع حضارة شعوب الأمريكيتين في الفترة ذاتها أن تقاوم الغزو الأوروبي على بعد آلاف الأميال، فذابت في الحضارة الأوروبية ديناً وتاريخاً وثقافة ولغة، لأنها لم تكن حضارات أصيلة لها مذهبية كونية ولها خصائص تمنعها من الذوبان كالحضارة الإسلامية.
ثم تأمل في المواجهة الإسلامية الشاملة كيف أنقذت لغة ودين وتاريخ الجزائر من براثن السرطان الاستعماري الفرنسي المخطط الذي حاول أن يصنع من الجزائر أرضاً فرنسية أخرى بقطع علاقاتها بالإسلام وحضارته ولغته إلى الأبد.
وانتقل إلى تركيا فانظر كيف خطط الغرب بطاقاته جميعها للقضاء على الإسلام نهائياً في تركيا بإلغاء الخلافة وفرض اللادينية ومحاربة مظاهر الحياة الدينية كافة وتدريس الإلحاد والفلسفة الطبيعية في المدارس وقتل العلماء والدعاة ومصادرة أموال الأوقاف ومنع قراءة القرآن ورفع الآذان باللغة العربية، بل تغيير الحروف العربية إلى اللاتينية لفصل الأجيال عن ماضيها، وتحويل المساجد إلى متاحف ونشر دور الملاهي والبغاء والخمارات وفتح المجال الواسع لتفجير الجنس، ومنع الحشمة والسلوك الحسن، وتسليط اليهود والماسونيين على وسائل الإعلام لإفساد الشعب وإماتة روح الكرامة فيه، وبالرغم من ذلك كله انظر أين تركيا الآن، وأين الإسلام منها؟.
البيان: قلتم في كتابتكم "مع تلك الكارثة الشاملة التي نفذت على مدى طويل بكل قسوة، بقي حس الإسلام حبيساً في خلايا مخفية وعميقة، لينطلق من جديد في صحوة إسلامية ثقافية تكون باباً بإذن الله لإعادة الحضارة الأندلسية مرة أخرى" فماذا قصدتم، وكيف؟.
إذا نظرت اليوم إلى العالم الإسلامي، تجد مظاهر الانتقال من حياة الحضارة المادية إلى حياة الحضارة الإسلامية واضحة، بل تجد أن الحضارة الإسلامية قد بدأت تنطلق دوائرها في بلاد الحضارة الحديثة عن طريق تميز المجتمعات الإسلامية فيها من خلال بناء المساجد والمدارس وتأسيس الجمعيات والاتحادات الإسلامية والاحتفالات الاجتماعية المستمرة بالمناسبات الإسلامية، لجمع المسلمين وتوحيدهم وتربية أبنائهم تربية إسلامية، حتى يشعروا بانتمائهم إلى أمة الإسلام وحضارتها الخالدة.
هنا نؤمن أن الحضارة التي أنشأها الإسلام لها كيان خاص يتقوى ويتوسع بوجود سلطة عليا تتبناها، ولكنها لا تتلاشى عند تعددها أو عدم وجودها، لأن فيها قوة استمرارية ذاتية، هي التي تحمل المسلمين وتدفعهم دائماً إلى سوح الحركة ومواطن الجهاد الشامل من أجل المحافظة على أمانة حملها وتسليمها إلى الأجيال التالية.
البيان: انتقد الكثير من المستشرقين الحضارة الإسلامية، فكيف ترى واقعية هذا الانتقاد؟
هنالك خطأ، وقع فيه كثير من المستشرقين وتلامذتهم من المسلمين الذين تتلمذوا على أيديهم، وهو نقد جزئية في حضارتنا والحكم به على الكل، أو نقد جزئية أخرى فيها في ضوء حضارة أخرى.
وهذا أمر بالغ الخطورة، إذ كيف يمكن في المنطق السديد، إدانة حضارة بأكملها من خلال جزئية منحرفة في زمان معين أو مكان معين، سببتها ظروف نفسية أو اجتماعية أو سياسية، من خلال الظواهر الاجتماعية.
فالحضارة كما ذكرنا نهر كبير جار، لابد أن تقع فيه ما يعكر صفوه هنا وهناك، تعود إلى نواقص وأخطاء الطبيعة البشرية وصراعاتها التي تصنع الحضارة أو تعيق نموها.
ومصداق تلك السنة العامة، لم يسجل تاريخ البشرية حضارة كاملة أو مثالية أو ناصعة البياض، لا تحمل أوزار النفس الأمارة بالسوء أو انحرافات الفكر الإنساني، أو صراعات الغرائز المتدافعة في الأرض.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق