أجرى الحوار: جلال الشايب
- نقد جزئية صغيرة في حضارتنا الإسلامية في ضوء حضارة أخرى، خطأ فادح.
- الخلافة في الشريعة الإسلامية نيابة عن الأمة، وليست نيابة عن الله تعالى.
- الإسلام بمبادئه وعقائده ومثاليته وواقعيته وخصائصه، ليس هو المتشخص الذي يحمل الحضارة.
البيان: توقفنا سيدي الكريم في الجزء الأول من هذا الحوار عند مسألة انتقاد بعض المستشرقين للحضارة الإسلامية، ومدى واقعية هذا الانتقاد،
رأيتم أن ثمة خطأً وقع فيه كثير من المستشرقين وتلامذتهم من المسلمين الذين تتلمذوا على أيديهم، وهو نقد أية جزئية في الحضارة الإسلامية والحكم به على الكل، أو نقد جزئية منها في ضوء حضارة أخرى.
وهذا أمر بالغ الخطورة، إذ كيف يمكن في المنطق السديد، إدانة حضارة بأكملها من خلال جزئية منحرفة في زمان معين أو مكان معين، سببتها ظروف نفسية أو اجتماعية أو سياسية، من خلال الظواهر الاجتماعية.
فالحضارة نهر كبير جارٍ، لابد أن تقع فيه أو ساخ وقذارات هنا وهناك، تعود إلى نواقص وأخطاء الطبيعة البشرية وصراعاتها التي تصنع الحضارة أو تعيق نموها.
البيان: يلتزم البعض منهج نقد جزئية صغيرة في حضارتنا الإسلامية على ضوء حضارة أخرى، فكيف ترى هذا؟
نقد جزئية صغيرة في حضارتنا الإسلامية في ضوء حضارة أخرى، خطأ فادح، أشد من الأول، ذلك لأن كل حضارة لها منظومتها الخاصة بها، والتي تندرج تحتها جزئياتها كافة، أي أن كل حضارة لها منطلقها الداخلي الذي يربط بين أجزائها، بل هو الذي ولدها، فهي تنسجم معه ولا تنسجم مع غيره.
فأولاد أسرة عربية، لا يتقنون غير العربية، فمن الظلم أن تسألهم لماذا لا تعرفون اللغة التركية، لأن اللغة هنا تنبعث من الداخل ولا تفرض من الخارج إلا بالتعلم المقصود.
فعلى ذلك، فأنت عندما تقرأ أن الولد يأخذ ضعف الأنثى في نظام الميراث الإسلامي، فعليك ألا تستغرب فتقول: إن هذا ظلم، لأن البنت تتساوى في الميراث مع الولد في ظل الحضارة الغربية، إذن فالإسلام قد ظلم!، والدليل أنه أعطى الولد أكثر منها، ففرق بذلك بينهما في المعاملة.
هذا الحكم منك عند العقلاء، فضلاً عن أهل الملة العارفين بحكمة التوزيع، سيكون حكماً ساذجاً مضحكاً، لأن حكمك ظاهر لم يدخل في العمق ولم يراع حقائق المنظومة الحضارية الإسلامية بأجزائها.
وذلك لأن هنالك فرقاً كبيراً في النظام الاجتماعي الأسري لكل من الحضارتين؛ فالنظام الاجتماعي الأسري في الحضارة الإسلامية مشى على قاعدة الغنم بالغرم، فكل حق تجاهه واجب، فبينما أعطى الإسلام الولد ضعف أخته جعله منفقاً، أي فرض عليه واجباً تجاه أخته، وهو واجب الإنفاق التام، وجعله مسؤولاً عن المهر والإنفاق على زوجته وأولاده، غير أن أخته إن تزوجت أخذت المهر ولم تكلف بالإنفاق على زوجها وأولادها بينما النظام الاجتماعي الأسري في الحضارة الغربية، لا يفرض مثل هذا الحق على الولد تجاه أخته، أي حق الإنفاق، فمن غير المعقول أن يأخذ ضعف نصيب أخته في الميراث.
إذن فمن الخطأ الحكم على أي من الحضارتين بالظلم في هذه القضية الجزئية فلا الحضارة الإسلامية ظلمت المرأة عندما أعطتها نصيب أخاها في الميراث، ولا الحضارة الغربية ظلمت ذلك الأخ في وجهتها تلك، عندما لم تعطه ضعف نصيب أختها.
البيان: تباينت الأراء والأقوال حول إمكانية تطبيق الشريعة في دولة كمصر، فهناك من يرى أنه لابد من دخول الإسلاميين إلى العالم السياسي –وهو ما كان فعلا-، إلا أن البعض لا يزال يخاف من عواقب الفشل، وأن الفشل قد ينسب إلى الإسلام لا إلى الأشخاص، فكيف نفض هذا الاشتباك؟
الخلافة في الشريعة الإسلامية نيابة عن الأمة، وليست نيابة عن الله تعالى، فالخليفة ينوب عن الأمة مع أعضاء مجلس الشورى لتنفيذ أحكام الشريعة، مع مساحة واسعة من الاجتهاد منهم في ضوئها حسن ظروف الزمان والمكان.
ثم إن منصب الخليفة في الإسلام ليس منصباً إلهياً مقدساً بالمفهوم الغربي، وإنما هو وظيفة اعتيادية إنسانية من وظائف المجتمع الإسلامي؛ والخطأ هنا يتحمله الشخص وليس المنهج؛ فالمنهج معصوم لأنه منزل من لدن رب العالمين.
البيان: كيف ترد على من يتهم الحضارة الإسلامية بالنقص أو الانحراف؟
في جواب ذلك، نعيد إلى الأذهان ما ذكرناه سالفا من أن الإسلام كمال إلهي، جاء لتنفيذه على وجه الأرض بين البشر وليس بين الملائكة، فالإنسان الذي آمن به هو الذي حاول فهمه وتطبيقه عبر الزمان والمكان.
والإنسان ليس كاملاً، فطاقاته محدودة، وظروف حياته متغيرة، واجتهاداته متباينة، تؤثر فيها أوضاع الحياة المادية فتثير غرائره وتحرك كوامنها.
فالإسلام بمبادئه وعقائده ومثاليته وواقعيته وخصائصه، ليس هو المتشخص الذي يحمل الحضارة، وإنما الإنسان المسلم هو الذي يصنعها وهو الذي يحملها.
البيان: من الأخطاء التي وقعت فيها حضارتنا الإسلامية نظام الشورى، فما تقولون في الإجهاز عليه منذ زمن طويل، وتعطيله؟
لا يمكن إنكار أن حضارتنا الإسلامية، وقعت فيها أخطاء وثغرات وانحرافات.
منها: أن أهداف الإسلام في إقامة نظام حكم يستند إلى اختيار الأمة المسلمة، ولا يتبنى العصبيات الأسرية والطائفية والعنصرية المعتمدة على الوراثة لم تستمر طويلاً، بسبب تغلب العصبية لوراثة الأسرة التي كانت الظروف الاجتماعية مستعدة لقبولها، والتي استطاع الأمويون أن يتسللوا من خلالها إلى الحكم فيستبدلوا نظام الشورى لذي طبقه الخلفاء الراشدون الأربعة بالنظام الوراثي على الرغم من معارضة الصحابة الكرام رضي الله عنهم لهم.
البيان: وما الظروف الاجتماعية التي أدت إلى الإجهاز على نظام الشورى في عصر الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم.
لقد جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل إيجاد أمة مؤمنة مجاهدة واعية تعرف حقوق ربها وحقوق نفسها، وتدرك واجباتها الإسلامية والحضارية كاملاً، فوفق إلى ذلك توفيقاً عظيماً من خلال نور رسالته، ولكن تلك الأمة الأولى انحصرت في المهاجرين الأولين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فتجسدت في سلوكهم قيم الإسلام تجسداً رائعاً، غدا النموذج الأمثل للأجيال التالية إلى يوم القيامة، فصار من الواضح أن مبادئ الإسلام بأبعادها كلها يمكن أن تطبق في واقع البشرية، فتصنع فيه ما يشبه المعجزات في الإيمان وضبط السلوك والحركة والبناء والتغيير وإقامة الحضارة، في حدود ما شرع الله تعالى.
غير أن عوامل الهدم بدأت تحفر لها أخاديد في جسم الأمة ابتداء من مجتمع الطلقاء في مكة والقبائل العربية التي أعلنت إسلامها في كل مكان من جزيرة العرب، فلم يكن بالإمكان تربية هؤلاء الملايين تربية إيمانية عالية في مدة قصيرة، لا سيما أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم واجهوا حروب الردة التي أشغلتهم، ثم أعدوا العدة لمواجهة دولتي الفرس والروم الطاغوتيتين، فانتهت إلى المواجهة الدموية الكبرى في القادسية واليرموك، ثم استمرت الفتوحات الإسلامية المباركة لتصفية الحساب النهائي مع جيوب تلك القوى وغيرها، من أجل تحرير الشعوب ورفع العقبات التي تحول بينها وبين نور الإسلام، الأمر الذي استغله أعداء الإسلام من المنافقين وأوشاب اليهود والمجوس لإحداث الفتنة الكبرى، التي أدت إلى استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وانتخت إلى زعزعة المجتمع الإسلامي والحيلولة دون حسم الموقف لصالح المشروعية والشورى لسببين معروفين:
أولهما: ظهور العصبية الأموية التي استطاعت أن تستغل اللحظة التاريخية المناسبة للمطالبة بالثأر لدم عثمان.
وثانيهما: انضمام أهل الفتنة لجيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لتفجيره من الداخل، ومنعه من القيام بتلك الخطوة الحاسمة للسيطرة على الموقف والقضاء على عصبية البيت الأموي، لترسيخ حكم الشورى وبناء البيت الإسلامي من الداخل بناء قوياً معافى.
وهكذا ضاع الأمل في تربية الأمة تربية إسلامية شاملة قوية، كي يسقط الانحراف، أي انحراف، وتستمر الشورى ودفع الإنسان المسلم لصنع تاريخه وحكم مجتمعه، وانقلبت الشورى إلى ملك عضوض غدا وكأنه قدر العالم الإسلامي المحتم، وانتهى إلى صراعات الأسر الحاكمة أو الطامعين في الحكم بدعوى حق فلان أو علان في الحكم ووراثة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهو ما أفقد العالم الإسلامي كثيراً من ركائز القوة والوحدة في مواجهة الأمراض الداخلية والتحديات الخارجية التي لم تستطع الدولة الإسلامية في أطوارها الثلاثة الرئيسية، أن تستجيب لها بمنهج إسلامي رصين شامل، رشيد قوي موحد، وانتهت نتائج الإسلام المجزأ إلى الكوارث الكبرى المتلاحقة، ابتداء بالهجوم الصليبي، ومروراً بالتدمير التتري، وانتهاء بالغزو الاستعماري الغربي الحديث، واحتلاله لمعظم أقطار العالم الإسلامي، والتمكين لمشروعه اللاديني ووضعه العقبات لإعاقة مشروع الإحياء الإسلامي.
هذا العرض السابق السريع السابق، يكون صحيحاً ومقبولاً إذا أدرنا أن نقارن أوضاع المسلمين ودولهم بما كان الإسلام يريد تحقيقه من الحق والقوة والتحرر والعدالة وبناء الحضارة المتكاملة النموذج.
أما إذا جئنا إلى الواقع البشري في العالم وقارنّا بين الحضارة الإسلامية ومجتمعاتها وبين الحضارات الأخرى ومجتمعاتها نجد الفرق شاسعاً في مجالات الحياة كلها بين الحضارتين، ونلاحظ تأثير الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكاً، يتغلغل في كل خلية من خلال المؤسسات الحضارية أو الصغيرة.
البيان: تنظيم المجتمع.. بين الحضارة الإسلامية وشهادة مؤرخي الحضارة، كيف ترونها؟
تحدث مؤرخو الحضارة الإٍسلامية كثيراً عن عدالة الإسلام وتنظيمات الحضارة الراقية والتنمية الاقتصادية والسكانية، وكثرة طرق المواصلات ومشاريع الري، والحسبة على الأسواق والقضاء على الأمية ونشر الثقافة الجمالية والذوقية.
وهنا نلجأ إلى شهادة واحد من كبار مؤرخي الحضارة في هذا العصر، وهو المؤرخ الأمريكي الكبير "ول ديورانت" حيث يقول: "لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700 إلى 1200 يتزعم العالم كله، في القوة والنظام وبسطة الملك وجميل الطباع والأخلاق وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم والتسامح الديني والآداب والبحث العلمي والعلوم والطب والفلسفة.
وفي مقارنات بين المجتمع الإسلامي والمجتمع المسيحي يقول بعد نقدٍ سريع لبعض جوانب الحياة الاجتماعية لدى المسلمين الذي يعزوه إلى المسلمين حاشا الإسلام.
"غير أن المسلمين كما يلوح كانوا رجالاً أكمل من المسيحيين فقد كانوا أحفظ للعهد وأكثر منهم رحمة بالمغلوبين، وقلما ارتكبوا في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون عندما استولوا على بيت المقدس عام 1099م، ولقد ظل القانون المسيحي يستخدم طريقة التحكيم الإلهي بالقتال أو الماء أو النار، في الوقت الذي كانت الشريعة الإسلامية تضع فيه طائفة من المبادئ القانونية الراقية، ينفذها قضاة مستنيرون.
واحتفظ الدين الإسلامي وهو أقل غموضاً في عقائده من الدين المسيحي بشعائر أبسط وأنقى، وأقل قبولاً للنزعة الإنسانية الغريزية نحو الشرك.
ويتحدث عن خصائص أخرى للمجتمع المدني الراقي الإسلامي فيقول: "كانت قوانينهم قائمة على العدل والرحمة، تشرف على تنفيذها هيئة قضائية حسنة النظام، وكان أهل البلاد المغلوبون يحكمون في معظم الأحوال حسب قوانينهم وعلى أيدي موظفين منهم، وكان في المدن شرطة تسهر على الأمن فيها، وقد فرضت على الأسواق المكاييل والموازين في رقابة محكمة، وكانت الحكومة تقوم بإحصاء عام للسكان والأملاك في فترات منظمة، وكانت الضرائب معقولة إذا ما قورنت بما كانت تفرضه منها روما وبيزنطة، وبلغت الإيرادات في أيام عبدالرحمن الثالث 12.045.000 دينار ذهبي أي ما يعادل 57.213.750 دولار أمريكي، وأكبر الظن أن هذا كان يفوق إيراد حكومات المسيحية اللاتينية مجتمعة، ولم يكن مصدر هذه الإيرادات هو الضرائب العالية، بقدر ما كان أثراً من آثار الحكم الصالح وتقدم الزراعة والصناعة ورواج التجارة".
ويتحدث عن التجارة وطرق المواصلات فيقول: "وبلغت بلاد آسيا الغربية في حكم المسلمين درجة من الرفاء الصناعي والتجاري لم تصل إليها بلاد أوروبا الغربية قبل القرن السادس عشر".
ويقول: "لقد انتشرت طرق المواصلات انتشاراً كبيراً وأدت إلى حركة تجارية واسعة ربطت العالم الإسلامي كله بالعالم غير الإسلامي كأوروبا وبلاد الصين وجنوبي آسيا وأواسط تركستان وغيرها".
ويتحدث "ديورانت عن أخلاق المسلمين فيقول: "ويبدو بوجه عام أن المسلم كان أرقى من المسيحي في خلقه التجاري وفي وفائه بوعده وإخلاصه للمعاهدات التي يعقدها مع غيره، ولقد أجمعت الآراء على أن صلاح الدين كان أنبل من اشترك في الحروب الصليبية والمسلمون شرفاء فيما يختص بالكذب".
ويلخص ديورانت حكمه على مجتمع الحضارة الإسلامية فيقول: "ويمكن القول أن المجتمع الإسلامي كان مجتمعاً ذا أدب راق إلى أقصى حدود الرقي".
وليست هذه الأحكام الواقعية المنصفة على الحضارة الإسلامية مما ينفرد به ديورانت، وإنما يشاركه كثير من منصفي مؤرخي الحضارات في الغرب.
فهذا المؤرخ الكبير "جورج كيرك" يصف الحضارة الإسلامية في الأندلس فيقول: "وقد درجت إسبانيا في عهد المسلمين في مدارج التقدم والرقي حتى صارت في القرن التاسع الميلادي من أغنى بلاد أوروبا المسيحية وإلى الشرق الإسلامي على السواء، وكانت مدينتها "قرطبة" أعظم منهل للعلوم والمعارف في أوروبا، وكان عدد سكانها نصف مليون نفس، وبها ثلاثمائة حمام وسبعون داراً للكتب، وفيها من الطرق المرضوفة المضاءة ليلاً ما تبلغ جملته أميالاً كثيرة يضيق عنها الحصر، فكانت بكل هذه المظاهر عروس المدن، سابقة بعدة قرون كلاً من معاصريها لندن وباريس اللتين كانتا لا تزالان في حالة همجية، فضلاً عن أنها كانت كعبة للثقافة يحج إليها حكام الولايات الصغيرة المسيحية بشمالي إسبانيا".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق